فضائيات
معارك أخرى على هامش «المونديال»!
منصة عبرية تُطلق وصفًا عنصريًا وماسًّا بالكرامة الإنسانية على لاعب مغربي من نجوم منتخب كرة القدم، فيبلع الكثير من أبناء...
منذ عام 1987، يُرسي الطاهر الطويل جسوراً معرفية لاستكشاف بنيا الثقافة العربية والمسرح المغربي. بصفته كاتباً وصحافياً بارزاً، يسعى من خلال منصة "مفاتيح أدبية" إلى توثيق التجربة الفكرية واد الوقائع بأقل بأسلوب رصين يجمع بين العمق الأكاديمي والروح الصحافية.
اقرأ السيرة الذاتية الكاملةتابع أحدث الإصدارات والمناقشات الثقافية
فضائيات
منصة عبرية تُطلق وصفًا عنصريًا وماسًّا بالكرامة الإنسانية على لاعب مغربي من نجوم منتخب كرة القدم، فيبلع الكثير من أبناء...
فضائيات
الوسط الثقافي والفني في المغرب منشغل هذه الأيام بتصريحات نائب برلماني من حزب معارض، انتقد فيها السياسة المتبعة من لدن و...
فضائيات
خلال أسبوعين متتاليين، وجد المغاربة أنفسهم أمام مشاهد ساخرة، رَفّهتْ عنهم قليلاً من قساوة الواقع اليومي، ووفّرت لهم «فُ...
فضائيات
عاش الكثير من المغاربة عيد الأضحى، هذا العام، في أجواء غير معهودة من قبل، ذلك أن حكومة عزيز أخنوش نغّصت عليهم الفرحة، و...
فضائيات
منذ سنوات عدة، سطع نجم شيخ مغربي يدّعي القدرة على معالجة شفاء معظم الأمراض التي عجز الطب الحديث عن إيجاد علاج لها. فكان...
فضائيات
لم يجد أنصار منظمة شبابية تابعة لحزب حكومي في المغرب من نشيد حماسي يرددونه سوى هتافهم بشكل جماعي: «سنعلنها ثورة في الجب...
أبرز ما اخترناه لكم هذا الأسبوع
بعد تسع سنوات من اصدار كتابه الأول أنياب في جسد الأحلام باللغة العربية، أصدر الكاتب المغربي بوعزة التايك حديثا كتابا باللغة الفرنسية يحمل عنوان قلب مدنس UN COEUR PROFANE عن دار أبي رقراق للطباعة والنشر (147 صفحة من القطع المتوسط).الكتاب تأملات في معا...
اقرأ المقال
مسرح
الطاهر الطويل لم يكتب للمهندسة العراقية/ البريطانية زها حديد أن تعيش لحظة اكتمال تُحفتها المعمارية “المسرح...
مسرح
يرى المفكر المغربي محمد مصطفى القباج أن العلاقة بين الفلسفة والمسرح أعقد بالمقارنة مع العلاقة التي تربط الفلسفة بالعلم أ...
مسرح
الطاهر الطويل استطاعت فرقة “الشعاع” من مدينة تارودانت المغربية أن تحقق إنجازا فنيا جديدا بمسرح...
المقالات الأكثر تداولاً في الآونة الأخيرة
فضائيات
فضائيات
فضائيات
فضائيات
فضائيات
فضائيات
تشكيل
يؤكد المبدع المغربي فؤاد شردودي على عدم وجود حدود فاصلة بين الشعر والرسم، ولذلك فهو يعيشهما معا بالشغف نفسه، ويمنحهما ال...
تشكيل
في كتابها «الفنون والمجتمع في المشهد التشكيلي العربي»، الفائز بالمركز الأول لجائزة الشارقة للبحث النقدي التشكيلي في دورت...
تشكيل
اتخذ فن الكاريكاتير خلال مساره في المغرب تمظهرات مختلفة، حيث ركز رساموه في البداية على البعد الجمالي، ليصير في ما بعد سل...
حوارات
أجرى الحوار: الطاهر الطويل تبذل “النقابة المغربية لمحترفي المسرح” جهودا متواصلة من أجل تقنين المهن ال...
حوارات
أجرى الحوار: الطاهر الطويل عبد المجيد شكير، قاص وكاتب وناقد ومخرج مسرحي مغربي من مواليد مدينة الدار البيضاء سنة 1...
حوارات
أجرى الحوار: الطاهر الطويل بأناقته المعهودة، دخل الأستاذ عزيز السغروشني إلى مسرح محمد الخامس...
بانوراما
شهدت إمارة الفجيرة انطلاق النسخة الرابعة من مهرجان البدر 2025، الذي يُنظم برعاية كريمة من الشيخ محمد بن حمد الشرقي ولي ع...
بانوراما
في خطوة رائدة على مستوى دولة الإمارات العربية المتحدة، أعلنت أكاديمية الفجيرة للفنون الجميلة عن إطلاق برنامج الدب...
بانوراما
أعلنت جمعية الفجيرة الاجتماعية الثقافية، مساء الاثنين 17 فبراير 2025، عن اكتمال استعداداتها لانطلاق مسابقة القرآن الكريم...
آراء وشهادات حول أعمال الطاهر الطويل
د. عبد الرحمن بن إبراهيم (العَلم الثقافي 16 يوليوز 2015 )
“المسرح الفردي في الوطن العربي- عبد الحق الزروالي نموذجا” مؤلف نقدي صادر عن الهيئة العربية للمسرح بالشارقة/دولة الإمارات العربية المتحدة في هذه السنة (2015). محتويات الكتاب تتألف من مدخل وثلاثة فصول: هوية المسرح الفردي، تجربة عبد الحق الزروالي، قراءة في مسرحية “رحلة العطش.
المدخل: في المدخل ينطلق الناقد والإعلامي الطاهر الطويل في قراءة الشكل المسرحي الذي اختار أن يصطلح عليه “المسرح الفردي” من بين تسميات أخرى “مسرح الممثل الواحد”،”المونودراما، أوالمسرحية وحيدة الممثل متعددة الأدوار. إن الأمر هنا يتعلق بإشكالية في مدلول كل من التسميات الأربع. فإذا اتفقنا على أنها تحيل على الشكل المسرحي الذي يعتمد الممثل الواحد الذي يظهر وحيدا على مدى العرض يسرد/يلعب الحدث عن طريق الحوار؛ فإن العمل المسرحي أيا كان شكله أواتجاهه ذو طبيعة جماعية تتمثل في مستوى أول في المؤلف والمخرج والممثل والمتفرج على أساس أن الفرجة المسرحية لا تكتمل إلا بوجود مشاهدين. وتتمثل في مستوى ثان في الطاقم التقني والفني المسئول عن سينوغرافيا العرض التي بدونها لا يمكن لأي عرض مسرحي كان أن يتحقق.
لا شك أن الطاهر الطويل ووجه بالإشكالية التي يطرحها تقاطع المصطلحات. فقد أشار في مدخل الكتاب إلى إشكالية التسمية بقوله: «تلك جملة إشكالات لا تنفك تثار بصدد “المسرح الفردي”، فتجعله نقطة تقاطع لردود فعل متباينة، تبدأ من التسمية نفسها».([1]) وسوف يتخذ من تجربة الممثل عبد الحق الزروالي مدخلا للإجابة عن مدلول صفة “الفردية” المقترنة بالممثل من خلال أسئلة أخرى: «فعلى أي شيء يمكن أن تحيل، أعلى الممثل الشخص (الفرد)؟ وفي هذه الحالة، نستطيع إدماج صفة الفردية، الملتصقة بالمسرح والمقصود بها الممثل، في إطار ما يسمى، “إطلاق الكل وإرادة الجزء”؛ فنقول بناء على ذلك: “المسرح الفردي” ونعني به : “مسرح الممثل الفرد (الواحد)، أو أن تلك الصفة تحيل على الشخصية الواحدة في المسرحية؟ أم على رؤية فكرية فنية محتمة تحكم “المسرح الفردي” برمته، هذه الرؤية التي لا نعدم أن نجد لها دوافعها الإبداعية والنفسية والاجتماعية وغيرها؟».([2]) هذا التقلب الاصطلاحي في التسمية لا يمنع الكاتب من الإقرار أن مصطلح “المسرح الفردي” فرض ذاته في المعجم النقدي المتداول في الخطاب النقدي المغربي والعربي،«وهي تسمية مستعملة ورائجة ومغربيا وعربيا».([3])
وفي مقابل مصطلح “المسرح الفردي” ينهض مصطلحان آخران: “المونودرما” أو “مسرح الممثل الواحد”، وكلاهما يتطابقان في المعنى عينه في تصور الكاتب؛ غير أن المونودراما تتسع لتتضمن “المونولوج المسرحي-Monologue dramatique ، وهو ما يسمح بالاستعانة بممثلين آخرين يظهرون على الخشبة أمام الجمهور شريطة أن يكون دورهم ذا صفة عضوية بالممثل الواحد، ودورهم لا يتجاوز حدود “الشخصيات- الحالات” التي تحيل في كل الأحوال على الشخصية الرئيسة. غير أن السائد في المونودراما أن يعتلي الخشبة ممثل واحد فقط، ويقوم بأكثر من دور وفق ما تقتضيه طبيعة الحبكة الدرامية وتنامي أحداثها، «وفي هذه الحالة سنكون أمام ما يصطلح ب “Monopolylogue “، وهي التمثيلية وحيدة الممثل متعددة الأدوار».([4])
الفصل الأول: هوية “المسرح الفردي“ يتساءل الكاتب في هذا الفصل عن منابع المسرح الفردي، وعن جذوره إن كانت له شجرة نسب. وإذا كان وليد التجارب المسرحية الحديثة، فما هي الظروف التي أعانت على ظهور هذا الشكل المسرحي؟. آراء كثيرة تذهب إلى التأكيد أن الجذور تحيل على الشاعر اليوناني “ثسيبس”- Thespis الذي ظهر القرن السادس قبل الميلاد. «ففي سنة 550 ق.م – 534 ق.م أدخل ثسبيس شخصية الممثل الواحد، حيث أسند الدور الأول الأساسي لرئيس الجوقة- Coryphee، وغالبا ما كان هو الشاعر نفسه مؤلف المسرحية، فيما بقى للجوقة مهمة الإنشاد والتعليق وترديد بعض الحوارات»؛([5]) لتتطور التجربة من فضاء الجوقة المألوفة في العرض المسرحي الجماعي، إلى فضاء التمثيلي الفردي الذي اتخذ شكله النهائي في الممثل الواحد. ولعل ما أكسب هذه التجربة مكانتها في المسرح اليوناني أن الممثل يكون بالضرورة شخصية محورية يلتقي فيها الحدث والحوار، مما يجعلها منها جوهر العرض، محط إثارة وتشويق لأن المشاهد في مسرحية الممثل الواحد ينتظر ويتوقع أكثر مما ينتظره ويتوقعه من عرض متعدد الممثلين، وهو ما يقتضي قدرة في الأداء، وبراعة في التشخيص، وموهبة في التبليغ.( الكتاب عبارة اجتهاد معرفي ومنهجي سلك فيه الكاتب منهج صياغة أسئلة المسرح الفردي)
وبالنسبة لجذور هذا الشكل المسرحي في التراث الدرامي العربي، فضل الكاتب استعمال عبارة “الأشكال التمثيلية” تمييزا لها عن الأشكال المسرحية أو ما قبل المسرحية، على اعتبار «أن التمثيل سابق على المسرح».([6]) فقد عرفت في البلاد العربية قبل الإسلام أشكال تمثيلية توظف لأغراض ترفيهية أو توجيهية، كـ “الراوي” أو”القصاص” و”السامر” و”المرتجل” و”القوال” و”المداح” و”المقلداتي”… ويورد الكاتب «تميم الداري كأول راو في الإسلام، حيث روى قصة الجساسة والدجال، كما كان أول من قص بمصر هو سليمان بن عتر التجبي عام 38هـ».([7]) كما استعرض تطور هذا الشكل في العصرين الأموي والعباسي على الخصوص حيث كثر الحكواتيون «الذين تميزوا بمواهبهم العظيمة في التقليد… وقد كانوا يلجؤون إلى المسليات لكي يزيلوا السأم عن السامعين لقصصهم الآسرة؛ مستعينين في ذلك بالإشارات وحركات الجسم، حتى إن الأمر يصل أحيانا إلى مستوى التمثيل الصامت(البانتوميم). ولما كان هؤلاء الحكواتيون لا يجدون وقتا كافيا لتغيير ملابسهم، فقد اقتصروا على تغيير أغطية الرأس أثناء تمثيلهم للشخصيات والحرف المختلفة».([8]) كما أورد الكاتب مثال «رجل صوفي في عهد الخليفة العباسي المهدي يسمى عبد الرحمن بن بشر يخرج كل اثنين وخميس إلى تل بضواحي بغداد فيتبعه جمهور من الناس يتحلقون حوله؛ حيث ينصب نفسه قاضيا منفردا يحاكم الخلفاء المسلمين الأوائل، حتى إذا وصل إلى معاصريه بني العباس لاذ بالصمت؛ غير أن إصرار الحاضرين على مواصلة المحاكمة، وتقديمهم رجل على أنه أبو العباس السفاح، يخرج عبد الرحمن بن بشر عن صمته قائلا: بلغ أمرنا إلى بني العباس، أي بلغنا في التمثيل إلى بني العباس، ثم يعلن حكمه النهائي بلا تردد: “ارفعوا حساب هؤلاء جملة، واقذفوا بهم في النار جميعا، وبذلك تنتهي المحاكمة المشخصة، وينصرف كل واحد إلى شأنه».([9])ومن عصر الانحطاط والبدايات الأولى لعصر النهضة يورد الكاتب مثلا لشكل مسرحي تمثيلي يتمثل في “المداح”. فقد كان المداحون متخصصون في «رواية قصص الأنبياء ومناقب الأولياء وكرامات الصالحين، بهدف الوعظ والاعتبار. أما أسلوبهم فيتلخص في طريقة في الأداء ينفردون بها أقرب ما تكون إلى الإنشاد والترتيل، ويعتمدون فيها على براعة التوقيع وحسن التنغيم، في تناغم متواكب مع نقرات الدف البارعة مع أداء حركي وتمثيلي ينسجم مع القصص التي يتغنون بها، يدل على حاسة فنية دقيقة، وهم يستعينون غالبا بالأزجال العامية».([10])وعن الأشكال التمثيلية في المغرب، فقد اشتهرت “الحلقة” التي ترتبط زمنيا بالأسواق الشعبية والمواسم والأعياد الدينية، ومكانيا بالساحات الكبرى والأبواب التاريخية «كباب عجيسة بفاس وباب منصور العلج بمكناس وباب جامع الفنا بمراكش»،([11]) وبطلها هو “الحلايقي” سيد الفرجات الفردية التي يقدمها للمتجمهرين في حلقة دائرية، والتي تجمع بين المتعة المتحققة بالاستماع والمشاهدة معا «تتحول الفرجة (أو “فراجة” بالعامية المغربية) إلى عرض شامل ينطلق من حكي مشوق، ليطال فنونا مختلفة من رقص وغناء وتفكه، ويتوسل الحلايقي في ذلك ببراعته في التقليد والأداء، إضافة إلى استعانته ببعض الملابس والإكسسوارات الملائمة، ويعتمد على مشاركة الجمهور إياه في الفرجة».([12]) ولتأكيد عراقة هذا الشكل التمثيلي في الثقافة الشعبية المغربية، يورد الكاتب مثال «الشخصية التاريخية/الشعبية سيدي عبد الرحمن المجذوب الذي قضى حياته جوالا يحكي ويقص، وله ديوان زجل مكتوب يحفظه الرواة، ويمكن أن ندرج في نفس الإطار رجال الكلام الملحون إذ كان الواحد منهم يحكي قصة محبوكة ومنظومة بواسطة تعابير زجلية بليغة، تتخلل ذلك حركات جسدية مناسبة، وتشارك جماعة الحاضرين (الشاعر) في الإنشاد وترديد اللازمة من حين لحين».([13]) ويستخلص الكاتب أن الشكل التمثيلي الفردي عريق في الموروث الشعبي- الشفاهي العربي والمغربي، ومجذر في الوجدان الشعبي، ويعكس أصالته في البيئة العربية
بخصوص المنحى التأصيلي الذي انطلق في النصف الثاني من القرن العشرين استعرض الكاتب مجموع التجارب التأصيلية التي طفقت مع توفيق الحكيم ويوسف إدريس ومحمود دياب وعلي الراعي في مصر وسعد الله ونوس في سوريا، وعز الدين في تونس، وروجيه عساف في لبنان … وكلها سعت في اتجاه التأسيس لمسرح محلي أصيل قوامه الثنائية: حكاية تراثية وممثل حاك. وفي المغرب اقترنت التجربة بالطيب الصديقي «الذي كان له قصب السبق في النهل من التراث الشعبي المغربي بحصافة فنية وبعد نظر ناضج، بغية تأسيس فرجة مسرحية أصيلة ومنسجمة مع أجواء الذاكرة الشعبية وروح الواقع المعيش. ومن أهم أعماله الرائدة: سلطان الطلبة، سيدي عبد الرحمن المجذوب، مقامات بديع الومان الهمذاني وكتاب الإمتاع والمؤانسة».([14]) وهي محاولات أثبتت أن تجربة المسرح الفردي وجدت نفسها منسجمة مع المادة التراثية الشعبية، ومتناغمة مع الممثل الذي يعتمد الارتجال وإشراك المتفرجين في اللعبة، وهو ما يقتضي بالضرورة الاستغناء عن صرامة القواعد الفنية المتداولة، ونبذ الشكل الإيطالي للمسرح؛ من دون القطع طبعا مع الكثير من تقنيات المسرح الغربي الحداثي مثل تكسير الجدار الرابع، والارتجال، والمسرح داخل المسرح وتكسير الايهام؛( تعتمد منهجية الكاتب في صياغة أسئلة، ومن ثمة يسعى للإجابة عنها).
من أهم الأسئلة التي صاغها الكاتب سؤال يتعلق بتجربة المسرح الفردي في المغرب. أيتعلق الأمر بحالات استثنائية تنحصر في مسألة عدد الممثلين؟، أم تتجاوز ذلك إلى مستوى يتعلق بخصوصية الشكل الفني لظاهرة المسرح الفردي ضمن السياق العام؟.
في محاولة من الكاتب لسبر أغوار هذه التجربة ورصد مظاهر تميزها، يستحضر الكاتب سنة 1976 تاريخ أول مسرحية لعبد الحق الزروالي “الوجه والمرآة” كميلاد رسمي للمسرح الفردي في المغرب، من دون إغفال التجارب المتراكمة من قبل ومن بعد في هذا الصدد. ولعل ما أكسب تجربة عبد الحق الزروالي توهجها الإبداعي، وكرس خصوصيتها الفنية التراكم الإبداعي، والحضور المنتظم والفاعل والمؤثر في المشهد المسرحي المغربي والعربي على السواء: (الوجه والمرآة1976، صالح ومصلوح 1979 ، ضريبة العشق1980، شجرة الحي(مسرح الطفل)1980، جنائزية الأعراس1982، رحلة العطش1984، عكاز الطريق1985، سرحان المنسي1986، برج النور1986). فمسرحية “برج النور” على سبيل المثال عرضت 82 مرة، 11 مرة في مدينة فاس وحدها، وقدمت في مهرجان المهرجان العربي بدمشق، والمهرجان الثالث للمسرح العربي ببغداد،، وفي مهرجان “كيري” للمسرح الدولي بطورينو بإيطاليا سنة 1989. هذا التوهج الإبداعي والتميز الفني هو ما حدا بعبد الحق الزروالي« إلى اقتراح مشروع مهرجان عربي للمسرح الفردي».([15])
ما البواعث والأسباب التي أدت إلى ظهور هذا “الاتجاه” المسرحي في المغرب؟ وما هو سياقه السوسيوثقافي العام؟. في اعتقاد المؤلف اقترنت معظم الأعمال المسرحية الفردية في المغرب بظاهرة مسرح الهواة انطلاقا من ستينيات القرن الماضي.«وقد شهدت مرحلة السبعينيات عدة تحولات عميقة على المستوى الإبداعي وضمنه المسرحي، وذلك نتيجة عوامل سياسية، لعل أبرزها النكسة العربية في حزيران1967. هذه النكسة التي كان لها انعكاس قوي في نفسية العرب من حيث الشعور بالهزيمة ومرارتها»([16])كان من تداعياتها «العودة إلى الذات بمفهومها القومي الشامل، وقد طال ذلك التأثير المسرح المغربي وبخاصة الهاوي؛ حيث أمسى يقوم في موضوعاته على المضامين القومية والإنسانية والشعبية، ويمتح من التراث والأسطورة، مستعيرا منهما أحداثا وشخوصا ومواقف، وموظفا إياها في صوغ رؤية درامية انتقادية. كما ظهرا أسئلة جديدة يحكمها وعي نظري متطور، وهي تروم تأسيس كتابة إبداعية مغايرة، وتعانق أفق التجريب المسرحي في العالم (عبر الانفتاح على اتجاهاته ومذاهبه)، وتطمح إلى خلق فرجة عربية صميمة وتثوير الفعل المسرحي، وترسيخ التواصل مع الجماهير بشكل ايجابي وفاعل».([17])في هذا الإطار العام، ترعرعت تجربة المسرح الفردي في المغرب، محملة بالأسئلة الإشكالية للمسرح العربي، ومتشبعة بمساعي التأسيس لمسرح عربي أصيل. وهو ما يؤكد إسهام المسرح الفردي في موجة الدعوات التنظيرية التي سادت العالم العربي اعتبارا من سبعينيات القرن الماضي انطلاقا من خصوصيته المتمثلة في بناء النص الدرامي، والمقترح السينوغرافي، والمنجز التشخيصي. وهي خصوصية تتماهى والكتابة الدرامية العربية في عمومها فيما يتعلق بالاستلهام من الموروث الشعبي، وتبني الأشكال الفرجوية الأصيلة كقوالب مسرحية.
وبخصوص نزعة الفردانية، يشير الطاهر الطويل إلى أن وعي مسرحيين شباب بضرورة التحرر من الأشكال المسرحية التي كانت تمثل ما يسمى بــ “الطليعة الجمالية” التي سادت في المسرح الرسمي التي كرسته الأطر الفرنسية المشرفة إبانئذ على المسرح المغربي باتت «جامدة وحائرة ، تعتمد على الإبهار أكثر مما تعتمد على الإبداع، تضحك الجمهور أكثر مما تحاوره، وتنظم الفرجة السلبية أكثر مما “تصنع” المسرح المطلوب».([18])كما يشير المؤلف إلى باعثين اثنين أساسيين ساهما –من بين بواعث أخرى- في انتشار ظاهرة المسرح الفردي في سبعينيات القرن الماضي لدى الهواة على الخصوص
أ-«الوضعية الإدارية والتنظيمية والمادية للمسرح المغربي، وهي متمثلة في الحالة المزرية التي كانت تعيشها الفرق المسرحية الهاوية على مستوى الدعم المادي والعناية المعنوية؛ وكذا حالة الحصار وتضييق الخناق، التي كانت تشتكي منها؛ إضافة إلى مشاكلها الذاتية، وارتباط فاعليتها بالمهرجانات المسرحية الموسمية، وعدم قدرتها-في كثير من الأحيان- على تحقيق ديمومة النشاط وتطويره. مما كان يؤدي إلى فتور همم بعض أعضائها-أي الفرق- أو تخليهم عن مجال المسرح نهائيا».([19])
ب-« أنتشار للروح الفردية التي طالت مجالات السياسة والفكر والاجتماع والفن؛ فكان المسرح المسرح الفردي –حسب هذا الرأي- انعكاسا لهذه الرؤية “الفردانية” وتعبيرا عنها».([20])(النقشة للصديقي1969- شريشماتوري لنبيل لحلو1973- الزغننة لمحمد تيمد1973- الناس والحجارة لعبد الكريم برشيد1978- بشار الخير لمحمد الكغاط1979- الحرباء لحوري الحسين1986).
في خاتمة هذا الفصل خرج الطاهر الطويل بخلاصة مؤداها:
أ- أن الممثل الواحد الذي يمثل القاسم المشترك في تجربة المسرح الفردي في المغرب إنما يترجم البعد الإختزالي للفعل المسرحي لاعتبارات اضطرارية؛ وهو ما يعني «أن بعض هذه المسرحيات لم تستطع أن تحمل تنظيراتها في ذاتها، ولم تتجاوز الاتجاه السائد والطابع الموروث وحدود الاقتباس والنسخ، ولم تأت بخصوصيات تميزها عما هو رائج ومستهلك على مستويي الشكل والمضمون».([21])
بـ- انعدام التراكم الضروري في الكتابة الدرامية في المسرح الفردي المغربي، وهي حالة مردها في تصور الكاتب إلى القناعة السائدة لدى المسرحيين المغاربة أن المسرح باعتباره فعلا جماعيا فالضرورة تقتضي بالنتيجة أداء جماعيا.
جـ- أن الكتابة في مجال النصوص الدرامية ذات الممثل الواحد ما تزال في طور الاختبار، ولم تتمكن بعد من تقعيد خلفية معرفية ورسم معالم خصوصية فنية بالرغم من ارتقائها إلى مستوى اعتبارها ظاهرة ماضية في الإنتشار والذيوع.
الفصل الثاني: تجربة عبد الحق الزروالي الحديث عن تجربة هذا الفنان تقتضي من الوجهة المنهجية استعراض المؤثرات البيئية والنفسية والسلوكية التي أثرت في شخصيته وحددت مساره وأعانت على بلورة رؤيته الفنية للفعل المسرحي. وهو ما فعله الكاتب الطاهر الطويل حين خصص ما يربو على خمس صفحات للطفل عبد الحق الذي أدرك في وقت مبكر أن عليه إثبات الذات في وسط اجتماعي «مارس عليه نوعا من التسلط».([22]) في سنة 1963 اختاره المسرح كما صرح بذلك، سنة 1965 سيحظى بمباركة عائلته لممارسة المسرح، سنة1967 سيعيش تجربة حب مبكرة فاشلة، شخصها في مسرحية ناجحة “ماجدولين”. وسيكون للفنان الصاعد موعد مع التاريخ سنة 1976، حين دخل في فسحة للتأمل خرج منها ليجد نفسه أمام مرآة يتأمل فيه ملامح وجهه، فكانت “الوجه والمرآة” التي كانت إيذانا بميلاد تجربة فنية متفردة في راهنية المشهد المسرحي المغربي. وبالرغم من موقفه من «موسمية العمل المسرحي في نطاق الهواة»([23]) فقد ظل وفيا في مساره الفني للتوجه العام لمسرح الهواة المنحاز جماهيريا من دون أن يمثل مبدأ “الإلتزام” الذي يعكس بالضرورة موقفا أيديولوجيا مضادا تشويشا على جمالية المتعة السمعية-البصرية في مسرح عبد الحق الزروالي. «لقد انبنت مسرحية “الوجه والمرآة” منذ بدايتها على تكسير الإيهام وخلخلة نمط المسرح التقليدي»[24]، مما يوحي بأن حبكة المسرحية ستسير في خط درامي تصاعدي يؤجج الحدث ويؤزم موقف الممثل الذي سيكون أمام شخصية مسرحية مركبة تعاني من العجز والشعور بالانهزام على المستوى النفسي، وتعاني من الاستغلال والاختناق: «يا ناس دعوا الخوف جانبا وتعالوا قبل أن يحل الطاعون، إنني أراه يزحف نحونا».([25])
لقد عكست هذه المسرحية أن مفهوم المسرح الفردي عند عبد الحق الزروالي يتأسس على رؤية فنية تعيد تشكيل الواقع تشكيلا تغريبيا من خلال كتابة درامية تستحضر شروط العرض، من خلال بناء مشاهد متداخلة ومركبة تستفز أفق انتظار المشاهد كخطوة نحو استدراجه إلى فعل مسرحي يحرره من حياده السلبي، على اعتبار أن «الممثل يمثل “مع” الجمهور وليس “لـ” الجمهور»،([26])من خلال مشاهد تختزل الجماعي في الفردي، يتحول فيها الممثل/الفرد إلى شخصية مسرحية بصيغة التعدد. وهو ما عبر عنه الكاتب بالقول«إن صفة الفردية المسندة إلى هذه المسرحية تعد نسبية، كما أنها لا تعني أحادية في الرؤية أو الموقف؛ بل إن أحد كتابنا ذهب إلى حد عدم اعتبار “الوجه والمرآة” مسرحية فردية، لكونها تقوم على التعدد في التشخيص، تشخيص الواقع متعدد الوجوه والصور والملامح».([27] )
الهوامش:
نفسه، ص56، نقلا عن عبد الكريم برشيد، “الوجه والمرآة” بين التمثيل واللاتمثيل، العلم الثقافي، غشت1979، ص6[27]
محمد نوالي (حفل تقديم الكتاب في وجدة – 14 مايو 2016)
توطئة
يبتدر الطاهر الطويل جملة من الأسئلة التي تثار حول المسرح الفردي منها التسمية وهل هو اتجاه يرقى إلى مصاف الاتجاهات المسرحية هل له جذور تاريخية أم انه حال ظرفية طارئة .
من هنا يتوضح هاجس الكتاب كما يحدده صاحبه ملامسة جوانب تلك الإشكالات في ضوء تجربة الفنان المسرحي عبد للحق الزروالي.
وعلى هذا الا ساس قسم الكتاب إلى ثلاثة فصول
ـ هوية المسرح الفردي
تجربة عبد الحق الزووالي
قراءة في مسرحية “رحلة العطش”
هو كتاب فريد لتجربة فريدة تحتاج إلى وقفات تأمل. ويعتبر هذا المؤلف بداية تحتاج إلى مواصلة.
حين استلمت كتاب الأستاذ الطاهر الطويل عن تجربة المسرح الفردي في الوطن العربي منطلقا من تجربة عبد الحق الزروالي التي استمرت أربعة عقود أنتج فيها الرجل أربعين عملا فرديا وعشر مسرحيات جماعية. بمعدل مسرحية فردية كل عام. شعرت بضرورة العودة إلى أعماله والإنصات إليها مجددا فلم أجد بين أيدي إلى عدد قليل من المسرحيات المطبوعة وبعضها تم تصويره على الفيديو في اليوتوب.
تساءلت كيف يمكن لهذا المهوس بعشق المسرح أن يستمر في العطاء بالحماس ذاته دون كلل وبالوتيرة نفسها؟ كيف يمكن لرجل واحد أن يصنع فرجة تمتد لأكثر من ساعة ونصف يتابعه فيها جمهور لا يفارق مقاعده إلا إذا نتهى العرض. جمهور متعدد في المكان والزمان أي منذ سنة 1975 إلى العشرية الثانية من الألفية الثالثة. يعبر إليه قاطعا كل المسافات “في جولات متتالية عبر قرطاج ودمشق وبغداد والقاهرة وطرابلس وطورينطو بإيطاليا وباريز ومدريد.” [i] ؟
يسافر إليه حاملا قضيته ومحملا بهمومه وهواجسه وجراحاته وأحلامه التي يود أن تلخص كل هموم هذا الوطن العربي الكبير عبر أحقاب عرف الواقع فيها تغيرات جوهرية وكارثية حبلى بالمفارقات والتناقضات على المستوى المحلي والقومي. بالدرجة التي اهتز فيها كياننا الثقافي والفكري.. طرح قضيته في مسرحه ومسرح قضاياه بإحساس الفنان الشامل الذي تتقاطع فيه، وفي إنتاجه شخصية المؤلف والممثل والمخرج.
هذا الرحالة الجواب في تضاريس هذا الوطن الكبير ومشاكله في “رحلة العطش” من خلال شخصية ربيع هذا المواطن العربي الباحث عن هويته في مساحة الوطن العربي الذي تقطع أوصاله الحدود والإيديولوجيات والسياسات القطرية كيف أمكنه تجسيد مشهد الإنسان العربي التائه الذي يشعر بانتماء إلى تاريخ مشترك وتراث ولغة ويعيش تجزئة بالدرجة ذاتها الذي يتقمص فيها حلمه المفارق المجهض.
كيف توفق هذا المبدع في رحلته أن من يتقمص أدوارا مختلفة ويتشظى في كل الأزمنة والأمكنة في القرية والرحلة وأفضية المدينة وفي التراث محاورا ومقتبسا وموظفا. يحاول أن ينسج من مسرحه ألوانا مختلفة في تشكيلات تفعل المرايا فيها فعلتها
من أجل ذلك كان السؤال لماذا نحتاج إلى قراءة منجز الزروالي الذي رسم لإبداعه ثالوثا فرديا يجمع فيه بين شخصية المِؤلف والمخرج والممثل.
وهو منجز غزير متواصل من عقود غير أن هذه الغزارة قوبلت بنوع من الإهمال والحيف. الذي حاول الطاهر الطويل رفعه عنه بكتابه المونوغرافي هذا.
ذلك أنه كما يذهب الطاهر الطويل “رغم غزارة ما أنتج، نسبيا، حول المسرح المغربي، فإننا لا نكاد نجد بحثا أو دراسة مستقلة تتناول “المسرح الفردي”، إلا شذرات ذيلت بها بعض المؤلفات، لا تتجاوز الإشارات العابرة أو قراءة لبعض النصوص أو إسهابا في الحديث عن تجربة معينة، كما هو الأمر مع “عبد الحق الزروالي”، رغم أن هذا الحديث نفسه، لا يخرج عن كونه مقالات متفرقة أوحوارات، يغلب عليها الطابع المناسباتي، إذ غالبا ما تكون بعد مهرجان أو تقديم عرض مسرحي، لا ترقى إلى التناول العلمي. وكثيرا ما يتأرجح الكلام عن هذا النوع من المسرح، بين وسمه بالظاهرة تارة والتجربة تارة أخرى، والتيار، والاتجاه ” كما يصرح أحد الباحثين. اللهم لا استفاقة المتأخرة التي تشكلت في كتاب الطاهر الطويل . تحتاج إلا الاستكمال والمواصلة.
إذ من اللازم إخضاع هذه التجربة الممتدة على مدى أربعة عقود للدراسة والتتبع من منطلقات تأخذ خصوصياتها.. بالنظر إلى كونها مشروعا منفتحا، وحركة مفتوحة على الإشكالات الأساسية المعبرة عن وجهات نظر. عايش فيها صاحبها عقوداً كانت من أدق العقود إشكالاً .في تاريخنا. أضحى فيها إنساننا وواقعنا وحضارتنا ووجودنا محل استفهام مُشّرع على احتمالات وتحدّيات كبرى
وعليه، فيلزمنا هذا المشروع مراجعة بعض أحكامنا التي كوّناها عليه. وعلى صاحبه. ولنستمع إليه مرة أخرى من خلال صوته المباشر، ومن خلال صوته الذي يتقمص أدوارا شتى منها دور العارف والحلايقي. فهي الأبلغ في التعبير عنه، وعن مشروعه وحركاته. وقد تكون شخصياته مجرد أصوات تأتينا من بعيد، مقنعة تارة، كما صوت النفري في إشراقاته الممتزجة بحلم الواقع في مسرحية “كدت أراه” التي تقوم على الازدواج والتضعيف في الخطاب المتراوح بين التجليات الصوفية والكشف الواقعي. وقد تكون صريحة تارة أخرى في رحلتها الباحثة عن جذور موحدة في واقع التشرذم والتشتت كما في رحلة العطش. شخصيات. يَلبسها وتَلبسه. ويُضمنها رؤيته فتتلاحم مع صوته ونبراته وحركاته وهو يملأ فضاء الركح ببساطة بليغة أبلغ من كل الزخرف الذي يدبج سينوغرافيا جامدة مؤثثة بحذلقة فنية مقيتة. شخصيات مفارقة باروكية تظهر في أوجه متعددة متصادمة كما في إحدى بواكر مسرحيته “الوجه والمرآة”.
قد يتحكم فيها أو تنفلت من سلطته. لكنها أصوات تمتلك إحساسها، وقوتها، ونظرتها وأحكامها. وقد نجد فيها بعضا مما نود قوله، أو ما نحب أن نفكر فيه. كما قد تخرق أفق انتظاراتنا أو تستجيب لها. تعبر بنا أطياف الماضي والتراث لتقذف نا في أتون وقائع صادمة ينسجها الواقع واللحظة التاريخية بأبعادها الزمانية والمكانية وتجلياتها الفكرية والثقافية..
هي شخصيات يريدها بأبعاد متعددة، لها أطوارها وأصواتها. تُغرّب وتُمسرح. تؤدي أدوارها المنوطة بها في تشكيل أدبي ومسرحي من خلال الفرد المتعدد المتجسد بجسده الذي يوقع جنون العاشق المهوس بالتمثيل. وهذه فضيلة تجمع بين الحسنيين. تحقق التواؤم بين شعرية الأدبي، وشعرية المسرحي. أدواتها بيِّنة لا تخطئها العين ولا الحسّ. تفعل وتنفعل في حركات مسرحية بأنفاس المعايشة وأصوات السرد الذي يحول الركح إلى فضاء يتناسل فيه الكلام عبر تقنية الاستطراد والانتقال والانسيابية التي نجدها لدى كاتب عربي عظيم هو الجاحظ الذي ألهم مسرح عزالدين المدني.
شخصيات لا تمتلك بنية الشخصيات الروائية أو المسرحية الكلاسيكية بالمفهوم المعتاد. لكنها مُعبّرة وصريحة في تعبيرها. قد تُخفي هذه الصراحة أشياء قد لا نلتفت إليها. فمع كثرة الكلام قد يذوب الصمت في حرارة الحوار. لكن ما يقال قد لا يكون هو كل ما قيل. أو ما يمكن أن يقال. ومعه يتحقق الامتلاء. فهي كائنات تتحرك على إيقاع معزوفة متعددة المقامات في هارمونيا غنية بالأصوات. يديرها قائد جوقة يتقن جيدا إدارة النغمات يكتبها وينجزها ويتقمصها بمفرده في صياغة تشد المتلقي الذي يدمج في مقامات الكلام فيصبح جزءا من الخطاب الدائر وأحد مكونات اللعبة الممسرحة كما وضح حسن المنيعي.
فوراء هذا الصوت المتفرد المنفرد المتعدد المتجول بين أفياء مختلفة يمتلك وهجا وقبسا من نار المعرفة والعرفان والملقح بالاحتجاج والسخرية السوداء والعتاب والألم الذي ينز من جراحات زمن متكلس بكل معاني الانهيار. يصنع من لغته مفارقات خطاب بارركي يتشظى كالشهب الاصطناعية.
مشكل التسمية والاصطلاح
فما هو عنوان هذه التجربة التي تثير الجدل التي ما فتئ صاحبها يردد على أنها مجرد تجربة أما المولعون بالتصنيف فيردون لها عنوانا وتحديدا يمكن من خلالها إخضاعها للتنميط المعهود. أما صاحبها فيردد ببساطة أنه لا يهم فيها التسمية ما دامت تجربة تمتلك كل العناصر المسرحية.. فهي وإن عبرت عن ذاتها على شكل مسرح فردي فإنها تفصح عن تكامل التجربة. كما يوضح هو نفسه من حيث أنها منجز رجل واحد اختار مقام العزف المتفرد وليس المنفرد والبون بينهما جلي وواضح.
في هذا الإطار يثير الطاهر الطويل جملة من الأسئلة التي تثار حول المسرح الفردي منها التسمية.
فما هو المسرح الفردي وما علاقته بمسرح الممثل الواحد والمونودراما، وعرض رجل واحد one-man-show أو مسرح مبدع واحد un créateur en solo؟
قد يبدو لأول وهلة أن هذه التجربة لها امتدادات قديمة قد ترجع إلى المسرحي الجوال أب المسرح الإغريقي ثيبيس الذي قد يكون شخصية أو مجموعة من الشخصيات التي ظهرت في القرن السادس قبل الميلاد وكانوا يتجولون بعرباتهم. كما يتساءل الطاهر الطويل.
قد يوهمنا نعت “مسرح فردي” بالانغلاق على الفردانية في حين أنه مسرح منفتح على قضايا متنوعة وإن كانت من منظور فردي. وحتى لا نحسبه صوتا منفردا متجليا في نوع المونودراما التي هي صوت الهامش في احتجاجه وصراخه وتعبيراته لكونها توحدا مع الذات، وهي تحاول إن تعيش في عزلتها مشاكل المجتمع. وتلتقط معاناة الإنسان في أي مكان ولا مكان. فمدارها هي الضغوطات الاجتماعية والحضارية وقد تحولت إلى ضغوطات نفسية فردية يعيشها المرء في أقصى حالات عزلته وتفرده .في مجتمع يحفل بالمتناقضات، ودفع بمجاميع كبيرة إلى منطقة ” الجماعات المطمورة” الزنوج، الأقليات المرأة. إذ تعتبر ضفاف الهامش المنقطع في عوالمه الخاصة البئيسة إحدى المتاهات الديداليوسية التي تولجنا فيها المونودراما. التي تؤدرم السرود المعيشة الحياتية dramatisations des récits de vie.
تصبح الموندراما بمقتضى ذلك المعادل المكافئ للمونولوغ الداخلي هذا دون أن نحصر المونودراما في المونولوغ الدراما. وحسب دانان لماذا يتصبح الشكل المفضل مثلا للأفراد بعض الثقافات التي تحاول مجتهدة أن تثبت ذاتها في إطار إبراز هويتها والدفاع عنها؟ كما هو الشأن بالنسبة للأقلية الفرونكفونية في كندا التي أوجدت فيها الشكل الفني الأكثر ملائمة للتعبير عن ذاتيتها.
فقد وجد بيكيت أن المونودراما هي الشكل الأصلح له لصياغه رؤيته العبثية التي تترجم استحالة التواصل وعزلة الفرد لهذا كتب مونودرامات متتالية ومنها ما هو صامت أيضا لكنه يضم ممثلا واحدا مثل ” شريط كراب الأخير، الجمرات، الأيام السعيدة، أليس كذلك يا جو ؟ ومسرح بلا كلمات “.
المسرح الفردي ليس مسرحية الممثل الدرامي الواحد mono actor drama فقط وإن كان هذا أحد مكوناته. هو نوع من المسرح يقوم فيه “ممثل واحد بلعب وأداء مسرحية مكتملة” كما هو حال الممثل الراقص الصيني “ماي لانج فانغ” الذي تتراكب شخصيات في أدائه لكنه لا ينسى شخصيته الخاصة
المسرح الفردي ليس فقط عرض رجل واحد one-man-show الذي يتوسل بالنكتة الهادفة
وربما تحديد “عرض مبدع واحد un créateur en solo : يكون أنسبَ لهذا النوع حتى وإن كانت مساهمة عناصر أخرى في االعرض كما تم في عرض “كدت أره” التي لجأ فيها إلى السينوغراف يوسف العرقوبي.
فالرجل يكتب ويقوم بالإخراج وبالسينوغرافيا وقد حصل على جوائز فيهم جميعا.
شرعية المسرح الفردي والموندراما
الذين اعترضوا على أن المسرح الفردي والمونودراما ليسا مسرحا لخلوهما من الصراع فهو لبس مضاعف من أوجه عديدة لا أقلها أن مبدع التراجيدي الإغريقية تيبيس كان يمثل لوحده تساعده الجوقة.
يتساءل محمد أبو العباس قائلا رغم امتداد جذور هذا النوع من المسرح في التاريخ إلى أن العودة إليه حديثا أثار ردود فعل متباينة فمن رافض له تحت ذريعة التحديد المتداول للدراما التي تقوم على الفعل والصراع. “لأن فن المسرح يختلف عن الفنون الأخرى بجماعيته”
إذ “لقي اعتراضا باعتبار أن المسرحية (المونودرامية) لا تدخل ضمن تقسيم ومسميات الأدب المسرحي لأن البناء التقليدي للدراما يعتمد الصراع عنصرا أساسا بين قوتين أو نقيضتين “[ii]
فأين الصراع في الشخصية الواحدة وهي تجسيد أفكارا من وجهة نظر واحدة؟ [iii]
مع الأخذ بعين الاعتبار الكثير من الآراء التي لا تسوغ إدراج هذا النوع من المسرح أو التجسيد الدرامي في محور الأدب المسرحي أو العروض المسرحية وهو ما يستوجب “دراسة متأنية للنماذج المنتقاة. ومن ثم معرفة الجذر التاريخي لمثل هذه الدراما[iv]
فالتشكيك في جدواها والوقوف ضدها نتيجة سوء الفهم . ولا يخفى أن هذا أن هذا النوع من المسرح يحتاج إلى أسلوب ليس بتقليدي في الكتابة. وبسبب هذا التضارب في الآراء ظل يراوح بين الرفض والاستجابة.
أما ذريعة غياب الصراع. فهذا فهم سطحي لقضية الصراع. ذلك أن الصراع له أشكال صراع داخلي فكري كما شأن أبطال مسرحيات سارتر وكامو، وصراع نفسي سكولوجي، ذهني، كما هو حال مسرح شيكسبير الذي كان ينظر إلى ضعف حبكاته أمام علو كعبه في المونولوغات الطويلة. فشخصياته تحمل صراعها في ذاتها وتعيش مشكلاتها النفسية هاملت ماكبث وعطيل الملك لير. وهو ما جعل الصراع في ذات الشخصية فشبح أب هاملت مقابل العم كلاوديوس والأم هما وجهان لرغبتين متصادمتين في ذاتيته. حيث تجسد اللغز في شخصية هاملت التي نظر إليها تارةً وكأنها شخصية حقيقية، وتارة كأنها تجسيد فعلي لحقائق نفسية لشخصية غير عادية هي شخصية شكسبير نفسه. شكسبير المضاعف في التضعيف الذي تعيشه شخصياته الإشكالية الرومانسية الشفافة كما شخصية عطيل الذي يجسد ياجو وساوسه، وظنونه، وبؤر الضعف فيه. أو شخصياته المعقدة التي تغرق في أتون الشيزوفرينيا والسوداوية كما ماكبث وزوجته. أو هاملت بتردده الذي لا يشكل شبح الأب غير وجه وصورة من استيهاماته التي أودت به في مهاوي التردد والجنون، وجنون شخصيات: الملك لير” من أصحاب الحق الذين ووًجدوا في واقع موبوء بالخيانة والدسائس، فاحتموا بالجنون ليدفنوا فيه عذابهم الديونيزيوسي أو يتخذوه قناعاً كروتيسكياً يخفون تعقلهم وراء زيغ نظراته.
فأمام الرغبة الجامحة في الانتقام، وما يفرضه الواجب من شخصية نبيلة مثل هاملت التي يتوقع أن تأتي منها أفعال توافق أحكام المتلقي، هناك بالمقابل تقاعس، وتردد غير مبرر. من وجهة نظر المتلقي، وتبعاً لانتظاراته. فالمسرحية تخرق قواعد نوعها لأن فيها استطالة المونولوغات التي تبين أن هاملت يلجأ إلى الكلام بدل الفعل، وهو ما يبين أن هناك تعطيلا مقصوداً في إيقاع الحبكة، وانزياحاً يحدث انقطاعات في الخط السردي. وفي الوقت الذي تأتيه الفرصة مواتية من أجل تنفيذ انتقامه من كلاوديوس لا يقوم بذلك بحجة أن هذا الأخير في صلاة. فلا ينبغي قتله حتى لا تصعد روحه إلى الفردوس.
لا يتعلق لصراع فقط بتعدد الشخوص بل بأبعاد الشخصية وظروفها والمآزق التي تعيشها.
هل نقيس المسرح على مقاس الإرث النظري الغربي الكلاسيكي يمنح الأسبقية للنص على التمثيل، والأدبية على الفرجة، والخطاب على الإنجاز، والحكاية على الجسد. وتعاد مساءلة قلعة نُحتت من مفاهيم ومنظورات ساهمت فيها السرود الكلاسيكية، ويصبح الخطاب الكلاسيكي وامتداداته محلّ تشكيك وتفكيك. ويعوض عن مفهوم ” المسرح ” ـ هذا البنيان المصوغ بإرث من التوجيهات الأرسطية، وتأويلات القرون الوسطى عبر هوراس، وتقعيدات الكلاسيكية من خلال بوالو، وإبداعات راسين وكورني وموليير ـ بمفهوم بديل يسمح باختراق المساحات المغلقة، عبر الفضاء الخالي من خلال “المسرحة” التي تصبح مدخلاً لعبور المسرح من الأدبية إلى العمل الفضائي. هذا العمل الذي حدّدته جوزيت فيرال في كونه “سيرورة إنتاج يقوم، قبل كلّ شيء، على النظرةregard التي تفترض، وتخلق فضاءً للآخر. فاسحة المجال لغيرية altérité الذوات ولانبثاق الخيال “[v]
أصبح التمسرح وسيلة مطلوبة لتحرير الفعل المسرحي من أسر الأدبي، ومن انغلاق النوع، ما دام بالإمكان مسرحة كلّ شيء. وهذا يعني أن الفعل المسرحي لم يعد حصراً مقصوراً على الصياغة اليونانية التي تمّت حيازتها من قبل الغرب بقانون انتقال الإرث. كما لم تعد الصياغة اليونانية للمسرح الشكل الأرقى والمكتمل الذي يجب أن يبقى ثابتاً على مر الأزمان. هذا بعدما غدا بالإمكان أن يتبلور المسرح في أية لحظة نكون فيها إزاء مُمثّلٍ ومتفرّج بتعبير بيتير بروك.
وهو ما وسع من مفهوم المسرح، وراجعه مراجعة جذرياً. ويعبر عن ذلك بوضوح قول خالد أمين: “يحتاج تاريخ المسرح، إذن، إلى المراجعة وإعادة التأويل، والكتابة باستمرار، وبالتالي إلى التحرّر من الوحدة المتمركزة المتضمنة بين سطور وصفحات تاريخ المسرح الغربي وهوامشه. ويستلزم أي نقد جدّي للتقاليد الفرجوية للتابعSubaltern ، إذن أن يعوِّض السرد الموجود بسرد جديد أو سرود”[vi]، وهو رهان صعب غير أن المحاولة تبدو مغرية ومطلوبة لتحرير نظرتنا من سلطة النموذج وقوة حضوره في رؤيتنا الجمالية. وهو ما يفصح عنه قول خالد أمين: “على الرغم من الصعوبة الكبيرة الحافة بمهمة إبستيمولوجية من هذا القبيل. وبتعبير آخر، فإنه لا ينبغي للمسرح الغربي أن يتمثل باعتباره أصلا للمسرح الإنساني، بحكم أن الوقت قد حان لإعادة اعتبار الأشكال الأخرى للتقاليد الفرجوية/المسرحية التي وجدت قبلا خارج إسار المركزية الأوربية. وعلى أفضل تقدير في الحدود الفاصلة بين الدراما واللادراما والمسرح وما قبل المسرح (مع مراعاة خصوصيات التجنيس).”[vii].
وعليه فمبرر غياب الفرجة التي تنتفي بوجود ممثل واحد جهل بحقيقة المسرح وأشكاله المختلفة. ذلك أن فن الممثل الصيني مي لان فانج “البلورة غير المنتظرة لانتظار الأساتذة المجتمعين في موسكو.”[viii] هو الذي ألهم بريخت نظرية التغريب بحركاته في إحد عروضه ذات ليلة بموسكو كما ألم مايرهولد وغيره. وقد كان يقوم بعرض مسرحي كامل لوحده. فمدار الأمر ليس هو حضور ممثل واحد على الركح في كل العرض بل بطريقة هذا الحضور وقدرته على ملء الفضاء الفارغ، وتأثيثه بفرجة مشبعة تحقق انتظارات التمسرح.
وهم الأصول
هناك من يرجع أصول المونودراما إلى ثيبيس في بداية القرن السادس ومنهم علي الراعي الذي يقول:
“على ما يسجل المهتمون بالتاريخ للمسرح فإن المظاهر الأولىة لقيامة مسرح المونودراما سواء كان ذاك عالميا أو محليا. كانت قد بدأت مع الرجال من المسرحيين وذلك في كل تفاصيل المشهد المسرحي المونودرامي، أي من النص والتمثيل، مرورا بالإخراج والديكور وغيرذلك من متممات الفرجة المسرحية.
وعلى ما يروى مؤرخو المسرح فإن الشاعر ثسبيس الإيكاري الذي عاش قبل الميلاد بعدة مئات من السنين كان هو الممثل الأول للمونودراما في التاريخ.[ix]
وكذلك محمد أبو العباس.” إن المسرح منذ النشأة الأولى قد اعتمد على المونودراما ومن يقرأ تاريخ المسرح لا يغفل ( عربة ثسبس).[x]
وماري كلودهوبرMarie-Claude Hubert فيرى أن المسرح بدأ فرديا على يد شاعرThespisالذي كان يلقي قصائده المكتوبة مصحوبة بالرقص، “وكان ذلك حوالي 505 قبل الميلاد،
لكن هذا ربما فيه لبس
صحيح أن كل المشيرات تذهب إلى أن ثيبس أوجد الممثل إلى جانب الجوقة فتحولت بمقتضاه الأغنية الديثورامبية إلى دراما.تمثيلية حيث كانت أول مرة تقف الشخصية نفسها ” أمام الجمهور وتمثل وقائع الحدث التي تريد أن تطلع الناس عليها. وهذا هو أساس الفكرة الدرامية ككل من حيث كونها محاكاة فعل عن طريق تمثيله فكان يتخذ هيئتهم بالتنكر ويقمص شخصيتهم بالحركة والكلمة ويعبر عن مشاعرهم. فلا غرو إذن أن يعتبر ثيسبيس لدى القدامى والمحدثين خالق فن التراجيديا”[xi].
وكان مسرحه بسيطا يقدمه ببرولوغ يحتوى على شرح تمهيدي للحبكة يتلوه الممثل على الجمهور واقفا في مقدمة المنصة يتلوه حديث فردي (مونولوج) بعض أغاني الجوقة التي تؤديها أمام المنصة مصحوبة بالرقصات المناسبة. وفيما بين الأغنية والأغنية يظهر الممثل من جديد بعد أن يكون قد غير ملابسه وقناعه.[xii].
إلا أن يكون أصل المونودراما فهذا القول فيه شيء من اللبس الذي يجب أن يوضح من ذلك أن كلمة ممثل في اللغة اليونانية hypokrites)) كانت حينئذ تعني المجيب ” لأن عمل الممثل الأصلي كان آنذاك يتمثل في أن يدخل في حوار مع أفراد الجوقة بأن يجيب على أسئلتهم. ومن الواضح أن هذا التعديل يهدف أساسا إلى زيادة الأجزاء الحوارية التي كان قد أوجدها آريون-أو غيره”.[xiii] ونحن نعلم أن الجوقة أو قائدها كانت أشبه بالممثل وكان على عاتقها السرد والتعليق على الأحداث وشرحها للجمهور وإعطاء إفادات والحوار مع الممثل. كانت بشكل أو آخر ممثل في أجزاء كثيرة من العرض على الأقل من خلال الحوار.
إلا أن مسرحه كان أشبه بالمسرح الفردي لأنه كان يقوم بكل المهمات من تأليف وتمثيل واعداد مستلزمات العرض المسرحي فثيبيس كان يقوم بدور »ا لممثل «في مسرحياته إذ ظهر ليلعب أدوار الشخصيات العديدة التي قدمها على التوالي. واستطاع أن يفعل ذلك بفضل لجوئه إلى تغيير ملابسه كما كان يغطي وجهه إما بالرصاص الأبيض أو بنبات الرجلة. ولكنه لم يلبث أن اخترع القناع الكتاني.” [xiv] وهذا تقليد سار عليه من تبعه مع استثناءات منها سوفوكليس بالنظر إلى صوته الرخيم الذي لا يستطيع أن يوصله إلى الجمهور.
المسرح الفردي من وجهة نظر صاحبه الذي يقر بصعوبة هذه التجربة
يقر عبد الحق الزروالي بصعوبة هذا النوع المسرحي . ولهذا السبب لم تنتشر تجربة المسرح الفردي، لأنه قد نجد ممثلا جيدا بيد أنه يحتاج إلى من يكتب له، وقد تجد ممثلا جيدا يحتاج إلى من يكتب له: وقد تجد كاتبا جيدا ليد أنه يحتاج إلى من يخرج له، وقد تجد مخرجا جيدا يحتاج لمن يؤدي الدور المسند له.
يتعين على تجربة المسرح الفردي أن تقوم على التكامل، بمعنى أن مفهوم المبدع الشامل في الغرب هو القمين بإنجاحها. فالعملية الابداعية في المسرح الفردي تولد متكاملة، إذ لا يمكن أن نكتب نصا في فترة زمنية ما، ليتم إخراجه أو تمثيله في فترة زمنية أخرى. فهي إما أن تولد بكل مكوناتها وعناصرها أو ستظل تجربة مفككة في جوهرها.” كما يورد في أحد حواراته في برنامج “مشارف” .
وفي هذا البرنامج يقر بأن الذي ينتج المسرح هو العمل المتكامل يقول: ” أنا لا أعترف بوجود كاتب ومخرج وممثل ومصمم أزياء وغيرها من مكونات العرض المسرحي، ما يهمني هو أن نصل بالمبدع المسرحي إلى الإلمام بكل هذه المكونات حتى يعطينا مسرحا تتكامل غيه العنصر بشكل إجرائي يهدف إلى تخفيف العبء عن التخصصات”
رائد المونودراما في الوطن العربي انطلقت مغامرته منذ سنة 1976 بمسرحية الوجه والمرآة، وجنائزية الأعراس ورحلة العطش، وعكاز الطريق وبرج النور، وسرحان المنسي، وزكروم الأدب، ونشوة البوح. وإن سبقتها مسرحية “ماجدولين” سنة 1967 مع أنه لا يعتبر محاولته تلك تدخل في هذا الإطار، ويقر بأن “التأريخ لتجربة المسرح الفردي أو مسرح الممثل الواحد بدأ سنة 76-77 مع المهرجان الوطني الأول للمسرح الفردي” ويشير إلى المسرحيات التي أفرزتها الممارسة خلال الثلاث سنوات السابقة عن المهرجان هي “الزغننة” لمحمد تيمد، “شريشماتوري” لنبيل لحلو، “الزيارة” لعبدالكريم السداتي، “الحرباء” لحوري الحسين، و”الوجه والمرآة” لعبد الحق الروالي. ويذهب محمد أسليم إلى اعتبار أعمال أحمد السنوسي وبنياز تدخل في هذا الإطار . كما أن هناك إشارات إلى تأثره بمن سبقوه، أمثال محمد تيمد في “الزغننة” وعبدالكريم برشيد في “الناس والحجارة” والمرحوم حوري الحسين في”الحرباء” و”السباق” ومحمد قاوتي في “اندحار الأوثان” وقد تخلى العديد من هؤلاء عن التجربة ليتركوا المجال لعبدالحق الزروالي ليواصل المسير ويحقق تراكما كميا جعل اسمه يقترن بالمسرح الفردي بدون منازع. وما يمكن استنتاجه عموما، من الكثير مماقيل، حول مسرح الممثل الواحد، في المغرب، إنه خرج من رحم مسرح الهواة، في سنوات الستين، فهل كانت ولادته ناتجة عن تطور طبيعي لهذا المسرح في المغرب ؟ وهل يمكن تناوله باعتباره ظاهرة ؟ أو تيارا أو اتجاها مسرحيا ؟[xv]
أو تجربة ممتدة على نسق واحد على شكل حلقات مسلسل واحد بمقاسات وأبعاد واحدة. يحضر فيها الزروالي بشكل الذي لم تغير من ملامحه الوجودية والفكرية الزمن. وبأسلوبه في الأداء، ومقاماته الصوتية والأسلوبية المؤسلبة.
يلخص رجل واحد لمدة أربعين سنة تجربة طويلة ومستمرة في العمل المسرحي الفردي مع انفتاح على العمل المشترك بالاشتغال مثلا مع السينوغرافي المتميز يوسف العرقوب، وعبد المجيد هوس، والمرحوم بوعود، والمخرج عبد الكريم شداتي.
ويبقى السؤال هل استطاع الوروالي من خلال مسيرته مع هذه التجربة اختراق النمطية والاجترار في الكتابة والأداء. وهو تحدي وصعب؟ هل استطاع أن لا يكرر نفسه.؟ولا نتحدث عن اختلاف الموضوعات التي لا يمكن وحدها أن تصنع مسرحا من خلال أبجديات العرض والأداء؟
لقد عرفت تجربته نقاشا منذ السبعينيات كما طرحت قضية التسمية المونودراما، أو السرح الفردي أومسرح الممثل الفردي أومسرح شخص واحد.بإلحاح..
تجربة ممتدة يمكن أن تصنف في مسرح الممثل الواحد باعتبار أن هناك كاتب وهناك مخرج وهناك ممثل. إطار هذا التقسيم أنسب تسمية هي مسرح الممثل الواحد يقدم مجموعة من الأشخاص لوحده.
تردد الزروالي بخصوص التسمية في برنامج مشارف أن أنسب تسمية تناسب تجربته هي المسرح الفردي على اعتبار أن التجربة لديه تولد متكاملة فهو يكتب تمثيله بإحساس المخرج والممثل الساكن فيه ولا يمثل إلا تجربته وقد انكتبت بكامل تفاصيلها لديه. وفي برنامجFBM . من إنتاج MED1 يصرح لمحاوره بلال مرميد بأن تسمية المسرح الفردي هي تسمية وليدة خطأ البداية حين أطلقها عليها عام 1976. وينعتها بمسلسل تجربة المونودراما عند عبد الحق الزروالي. في كونها تسير على الوتيرة ذاتها وتساير إيقاعات المقام الخطابي نفسه.
الاعتراض
قوبلت تجربة الزروالي بالرفض كما يصرح من البعض لأن هناك من يرفض تسمية المسرح الفردي انطلاقا من فهم المسرح بكونه عملا جماعيا. وهذا من منطلق دعوة للتمسك بالعمل الجماعي
وهناك من رأى فيها ظاهرة مرضية في السبعينيات. لكونها تجربة تخرق مجال العمل الجماعي ويستجيب أصحاب هذا الحكم . لأصداء المسرح الطليعي الذي تفجر بعد ثورة ماي 1968. في مسارح عالمية مثل المسرح الحي Leving Theatre الذي ناهض مسرح برودواي. واعتمد على الارتجال وإشهار التمسرح والتأليف والإخراج الجماعي وتوحيد المسرح بالشعر، إذ شكل ذلك روح العصر حينها في بحر السبعينيات L’air du temps.
غياب الدعم هزالة المنح وغياب العمل الجماعي.
استمرت هذه التجربة رغم كل التحديات وأوجدت لها جمهورا في مناطق مختلفة محليا وعربيا. ولم تمت. بما تحمله من قيمة فكرية وفنية وأيديولوجية. رحلة العطش عرضت 84 مرة.
وبعضها حصد جوائز مثل “كدت أراه” التي فازت في المهرجان الوطني للمسرح الاحترافي بمكناس 2003 بجائزة أحسن نص، وأحسن سينوغرافيا، وأحسن ممثل. وتمثل نضجا فنيا في نسق هذه التجربة المتواصل.
ملامح بارزة
ـ السرد: من الملامح البارزة طاقة الممثل في الحكي وفي الاسترسال والقدرة على احداث مفارقات كلامية في الخطاب والانسيابية في السرد، مع استغلال طاقة الكلام والحكي ومقامات الحوار، والسرد، والكلام الذي ينفتح على آفاق متعددة اجتماعية سياسية ونفسية، وطنية وقومية. وهو ما يؤشر للطابع الأدبي للعروض.
ـ البعد السمعي ( الخطابة والإغراق في السرد): أغلب التجارب العربية التأصيلية ركزت على الحكي، والسرد من خلال اعتماد صيغ تراثية: من سمر، وحلقة، ومداح، وحكواتي، وتوظيف الأغاني، وحلقات الذكر، وفنون القول مثل الاستطراد الذي لجأ إليه المبدع عز الدين المدني. وهذا يتماشى مع خصوصية الذاكرة العربية. فإذا كان للغربيين ذاكرة النص الدرامي المتبنين على إرث عظيم من النصوص الدرامية التي يقوم عليها مسرحهم على امتداد التاريخ، وللشرقيين ذاكرة الجسد الذي استهوت لغته الهيروغليفية أبرز رواد المسرح من طليعيين وتجريبيين بدءاً من أرتو إلى باربا ومنوشكين، فإن للعربي ذاكرة الحكي والقص والسماع. وهذا ما يجعل هذا النوع من العروض يلقى استجابة من الجمهور. لأنه يخاطب ذاكرتهم
ـ حضور التراث.: يمتح الزروالي من التراث الشعري والحكائي والصوفي. يمسرحه كما مسرحيته “كدت أراه” التي فيها انفتاح على العمل الجماعي ساهم فيه يوسف العرقوبي السينوغرافيا وأغاني وموسيقى الدرهم. إخراج محمد الغرملي، ومصمم الديكور ومهندس الإنارة. إذ يلجأ فيها الزروالي إلى مسرحة كتاب المواقف والمخاطبات لمحمد عبد الجبار النفري الذي عاش سائحا طوافا مجهولا لا تستقر به أرض ولا يهدأ له قدم أو حال أو مقام. وفي هذا المقام يمسرح المقام الصوفي إلى أعمال منها شعرنة النفري في شعر أدونيس، ومسرحية الحلاج مع صلاح عبد الصبور، ومسرحية أبو حيان التوحيدي. للصديقي. يحاول فيها التعبير من خلال رمزية النفري عن الغربة المضاعفة غربة مكانية وغربة زمانية وغربة ناتجة من إيغاله الرمزي في أعماق التجربة الصوفية والوجد. وربطها بالواقع.
ـ طاقة التصوير: كما يمتاز بطاقة التصوير من خلال الصورة المجسدة بأوضاع الجسد الذي يشغر لوحده مساحات الركح، وأبعاده مستعينا ببعض الأشياء المسرحية، وسينوغرافيا ثابتة، ولباس يتخذ أشكالا مختلفة حسب طبيعة الشخصية ومقام الكلام.
ـ اللغة المقعرة: يعمد الزروالي في تجربته إلى تطويع اللغة الفصحى وشعريتها التي يخرقها بالعامية المغربية محدثا نوعا من التقعير الذي يقصد خلخلة سياق النص من خلال إدماجه في المعيش ووضع قنوات الاتصال بينه وبين الجمهور من أجل تقريب رمزية النفري الفلسفية الصوفية وتوجيهها نحو مقاصد متعلقة بالمعيش. مزاوجا بين بلاغة الخطاب الصوفي ومن خلال الاستعارات، والرمز والالتفات. وبلاغة العرض، والأداء الفردي. الذي يطعمه بأجواء رمزية إيحائية. مع اللجوء إلى السخرية والتهكم والمفارقات الذي تثير الجمهور. ويقوم من خلالها إلى توجيه الخطاب في أنحاء ومقاصد مختلفة جماعية وشخصية. ذاتية وغيرية.
ـ تنويع المقامات الخطابية يلجأ الزروالي إلى التنويع في المقامات الخطابية من الجمل القصيرة الموحية إلى السرد الطويل، ومن المناجاة إلى مخاطبة الجمهور. والحوار الذي يقوم به من خلال المحاورات، والغناء.
ـ الصوت الفردي المتقمص الذي يلخص العام ويتقمص هموم المجموع في كل مكان ولا مكان وفي كل زمان ولازمان محدد أكثر من الخاص من هنا يحدث نوعا من القطيعة مع الصوت المنفرد الذي يُؤدرم dramatisé يقوم على استدعاء إشكاليات الإنسان والواقع.
ـ السينوغرافيا الرمزية التي تؤثث الركح، وتساهم في وضع المتفرج في جو غريبي بعيد عن استنساخ الواقع.
ـ الموثرات الصوتية ، والإنارة اللباس والأشياء المسرحية. التي تعمل على إضفاء طابع التمسرح على العرض.
ـ الحركة القدرة على الحركة من خلال ملء الفضاء، وصناعة تمثيل .بواسطة الأداء النمطي.
خلاصة
حسنا فعل الطاهر الطويل الذي وجه الأنظار لهذه التجربة التي تحتاج إلى أكثر من نقاش. لما تمتلكه من قدرة على صناعة العرض والفكر والأداء بالدرجة التي تقدم ذاتها في صورة أدبية لا يخطؤها الفهم.
[i]ـ عبد الحق الزروالي : تجربة مسرحية بين صرختين. شهادة ضمن الثقافة المغربية .ملف المسرح المغربي. ع8. ماي 1999.ص149
[ii]ـ ـ المونودراما مسرحية الممثل الواحد . تجارب المونودراما في المشهد المسرحي العربي. محمد أبو العباس. .الناشر. العبيكان ط1 1431ه/2010. ص 10 عباس
[iii]ــ نفسه ص11
[iv]. ص11 نفسه ـ
[v] ـ الشخصية في المسرح المغربي بنيات وتجلّيات. عزالدين بونيت. منشورات كلية الآداب جامعة ابن زهر الرسائل والأطروحات 2/1992
[vi] ـ الفن المسرحي وأسطورة الأصل.ص57
[vii] ـ الفن المسرحي وأسطورة الأصل ص 57
[viii] ـ نفسه ص 119
[ix]ـ المونودراما ومبدعات المسرح السوري. علي الراعي. من مجلة ” الحياة المسرحية ” التي تصدر عن وزارة الثقافة -مديرية المسارح والموسيقا. سوريا العدد 88/89.
[x]ـ المونودراما مسرحية الممثل الواحد. سبق. ص11.
[xi][xi]ـ الشعر الأغريقي تراثا إنسانيا وعالميا.. أحمد عثمان. عالم المعرفة ع 77. مايو 1984. الكويت.
[xii]ـ نفسه 187/188.
[xiii] ـ كتاب الشعر الإغريقي. 186
[xiv]ـ نفسه.
..
المصطفى كليتي (بيان اليوم ـ 23 أكتوبر 2016)
عن الهيئة العربية للمسرح ـ الشارقة ـ صدر في سنة 2015 كتاب «المسرح الفردي في الوطن العربي مسرح عبد الحق الزروالي نموذجا» تأليف: الطاهر الطويل، وهو يدخل في سلسلة الدراسات ويحمل رقم 19.
يحتوي الكتاب على مدخل يتضمن سؤالا مركزيا: هل «المسرح الفردي» اتجاه يرقى إلى مصاف الاتجاهات المسرحية؟ ليقف بعد ذلك حول إشكالية التسمية مصطلحا سواء من الناحية اللغوية الصرفة أو المعجم المسرحي تحديدا.
ثم يتعاقد الباحث الطاهر الطويل مع المتلقي واضعا ميثاقا إستراتيجيا، يتحدد في الآتي:
رصد سمات الشكل التمثيلي الفردي لدى اليونان ثم لدى العرب.
استقراء الوضعية الراهنة «للمسرح الفردي» في سياق المنحى التأصيلي الذي يحكم مسار المسرح العربي.
مقاربة التجليات الإبداعية لتجربة «المسرح الفردي» عند عبد الحق الزروالي من خلال التركيز على مسرحية «رحلة العطش نموذجا للتحليل».
الفصل الأول يتمحور حول «هوية المسرح الفردي» المنابع والجذور تتمثل في المسرح اليوناني عند «تثبيس»، حيث سعى لإدخال الممثل الواحد مسندا إليه دور رئيس الجوقة المعتمد، وقد يكون غالبا الشاعر المؤلف وتصاحبه الجوقة بالإنشاد والتعليق، ما أفرز مبدأ الحوارية في العمل المسرحي وما نجم عنها من تفاعل في المقام المسرحي.
عرفت الأشكال التمثيلية الفردية ما قبل المسرحية أوجها عدة، ففي التاريخ القديم، نجد الراوي والقصاص مثل: تميم المداري وقصة «الجساسة والدجال» وخرافة الذي يزعم بأن الجن اختطفته. وما يرتبط بذلك من محاكاة وتقليد وصلتهما ببعد التمثيل.
أما في المغرب، فنجد رواة السير والقصص في الحلقة وسرديات المداحين ومرويات الملحون بالشعر العامي، ولنا في سيدي عبد الرحمن المجذوب أبرز مثال: «الذي قضى حياته جوالا يحكي ويقص وله ديوان زجلي مكتوب يحفظه الرواة». يقف الباحث المحلل مليا عند المنحى التأصيلي في المسرح الفردي والمتعالق مع الاتجاهات المسرحية العربية، انطلاقا من الروائي والقاص والمسرحي يوسف إدريس وتبنيه لمسرح «السامر» التراثي في الأرياف المصرية، وقد طبق دعوته في مسرحيته «الفرافير» سنة 1964، في حين عمد توفيق الحكيم لإصدار كتاب: «قالبنا المسرحي» نادى من خلاله للعودة إلى ما قبل «السامر» مركزا على الثالوث العربي المسكوك «الحكواتي» المقلد، المداح، وظل طرح الحكيم لا يتجاوز عتبات النظرية. وذهب علي الراعي إلى العودة إلى الشكل الفرجوي الشعبي على نحو يعقوب صنوع وعلى غرار ذلك جاء كتاب: «الكوميديا المرتجلة في المسرح المصري» سنة 1968.
وتلاحقت التجارب محاولة تأصيل المسرح العربي في الأردن والعراق ولبنان وفي أكثر من مكان، وضمنه المسرح الفردي أو مسرح الممثل الواحد. عرف المسرح الفردي محطتين أساسيتين. ففي غضون شهر مارس/آذار 1976 سمعت صيحة ميلاد «المسرح الفردي» بهذه التسمية في المغرب، خلال المهرجان الأول للمسرح الفردي الذي نظمته في الرباط جمعية الفن السابع، وتلته محطة ثانية بعد سنتين 17 و19 فبراير/شباط 1984 مهرجان ثانوية «مولاي إدريس» في فاس.
فـ«الريبتوارْ» المسرح الفردي يمكن تحديده بدءاً كما جاء في وارد الكتاب:
«الزغننة» لمحمد تيمد.
«شيريشماتوري» لنبيل لحلو.
«حميدو» لشفيق السحيمي.
«بشار الخير» لمحمد الكغاط.
«الناس والحجارة» لعبد الكريم برشيد.
«الحرباء» لحوري حسن.
«الوجه والمرآة» لعبد الحق الزروالي.
تعزى ظاهرة المسرح الفردي جراء انتشار النزوع الفرداني الذي مس الحياة السياسية والفكرية والاجتماعية والفنية، وألقت بواسع ظلالها على التعابير الفنية المسرحية، وساهم في ذلك تدهور المشهد المسرحي الرسمي والهاوي والسعي للمسرح بقصدية الاقتصاد والاختزال.
كما جسد الممثل الواحد بصيغة الجمع أو العالم الصغير الذي يحتوي العالم الكبير، معبرا عن الحس العام بالتمرد والاحتجاج وتكسير الحواجز المسرحية التقليدية، توقاً إلى دنيا أرحب، يمتزج فيها الواقع وسرحات الخيال وتعدد الأصوات في الذات الواحدة، منددة بالفساد راسمة أقانيم الجمال بأساليب وطرائق يحضر فيها بقوة إبداع الممثل.
خصص الفصل الثاني لدراسة تجربة عبد الحق الزروالي الفنية، متابعا مراحلها المتلاحقة، فمنذ السنة الخامس عشرة وعبد الحق الزروالي يشتغل في المسرح عشقه الأول، عمد إلى مسرحة رواية «ماجدولين» لمصطفى لطفي المنفلوطي، بالإضافة إلى مشاركته في أعمال جماعية: «يا هاجر الكنز» ومسرحية «لحوم في المزاد» و«شمس في بلاد الضباب» و«حزيران شهادة ميلاد» و«العين والخلخال»، وشارك – أيضا ـ في مسرحيات من تأليفه «لا أحد» و»كفى ارتجالا سيدي» و«ما بين البارح واليوم» وسنة 1976 كانت الانطلاقة الجادة في عوالم المسرح الفردي تأليفا وإخراجا بمسرحية «الوجه والمرآة». وتعاقبت بعدها مسرحيات عدة: «جنائزية الأعراس»، «افتحوا النوافذ»، «واش فهمتي»، «نقب واهرب» و«الحبل على الجرار».
الفصل الثالث تصدى لقراءة مسرحية «رحلة العطش» لعبد الحق الزروالي تحليلا ووصفا، في المنطلق تناول البنية الحكائية لينتقل للشخصيات والصراع، ربيع شخصية مركزية، أما الشخصية الثانية ربيعة شخصية المرأة الرمز، وسبر «الدارس» أغوار الزمكان في التفاعل المسرحي، ليفضي به ذلك إلى الحوار راسيا عند الحقل الدلالي: يتأطر نص مسرحية «رحلة العطش» دلاليا ضمن أربع مقولات أساسية، تعد في اعتقادنا مفاتيح لولوج النظام الرمزي الثاوي خلف البنية الكلية للمسرحية، إذ تمكننا من تلمس أهم ملامح وأبعاد خطابه المسرحي وهذه المقولات هي: العشق ـ العطش ـ الرحلة ـ الماء.
إنها محكومة بنوعين من العلاقات:
علاقات تصادم بين العطش والماء، علاقة تآلف بين العشق والرحلة، وخلال عملية نمو نص المسرحية، تتمظهر هذه العلاقات في تصادمها وتآلفها.
«(…) إن ربيع لا يظفر بماء يطفئ به شرارة ذلك اللهب، فيظل العطش يلازمه حتى وهو في البلدان العربية المتوفرة على الأنهار والوديان، إذ تتم الحيلولة بيني وبين مائها».
تعززت المكتــــبة العربية في جناحها المسرحي، بهذا الإصدار المتعلق بالمسرح الفردي في الوطن العربي، مسرح عبد الحق الزروالي نموذجا لمؤلفه الطاهر الطويل، إنها مساهمة وازنة في التجذير والتأصيل، ويبقى باب الرصد والبحث مشرعا في المجال المسرحي الرحيب البالغ الحساسية الفنية والجمالية.
رضوان احدادو (حفل تقديم كتاب المسرح الفردي في تطوان ـ 16/05/2015)
حينما تلقيت الدعوة الكريمة للمشاركة في هذا اللقاء لم أتردد في الاستجابة، ولم أعط لنفسي ولو مهلة قصيرة للتفكير رغم الضغط اليومي المثقل بالالتزامات الذي لا يرحم، ولكوني ما رأيت نفسي يوما مقتعدا مقعد الناقد والمحلل المُقَيِّم.. المستغور الكاشف، استجبت وقبلت بلا تردد لاعتبارات ثلاث، أولاها التقدير الكبير الذي أكنه لهاته المؤسسة الفكرية المتوهجة ولراعيتها الأستاذة الشاعرة الأديبة الدكتورة سعاد الناصر، ولمقعد الحب والتقدير الذي يحتله في قلبي المؤلف الصديق الإعلامي المبدع الطاهر الطويل الذي جمعتني وإياه على امتداد عقود مواقف مشرقة مشهودة.. رفيق نضال من أجل أن يكون المسرح عصية هي عن التجاوز والنسيان، وأيضا الصديق الفنان المسرحي عبد الحق الزروالي، هذا الفردي الجمعي من زمن العشق الأول المتوهج الأسر.. زمن الهواية إلى زمن الاحتراق.. الاحتراف.. رحلة الجفاف والصهد والعطش. لا يقدر شدة حرفتها إلا من كابدها.
اليوم تدعونا هاته الدار مشكورة للالتفاف حول مائدة باذخة، دسمة بكل المقاييس، وكيف لا تكون كذلك وهي معدة للمسرح.. المسرح بأناقته الأنيقة وتوهجه الوهاج.
فشكرا مرة أخرى مع تثمين هذا الاختيار الجميل «المسرح الفردي في العالم العربي من خلال تجربة عبد الحق الزروالي» التي نعدها بحق تجربة رائدة ومتميزة، بل نكاد نقول ظاهرة اقترنت باسم هذا المبدع واقترن اسمه بها، هنا، وعلى مستوى الوطن العربي.
لن نختلف، لن نجادل في ريادة الفنان عبد الحق الزروالي عربيا لهذا الشكل المسرحي من منطلق أن كل الذين مروا بالتجربة – بدون استثناء – لم يذهبوا بها بعيدا، أغلبهم ظل واقفا عند خط البداية، لم يركبوها عن قناعة، فكانت عندهم لا أكثر من تجربة عابرة كغيرها من التجارب التي مروا بها، باستثناء الزروالي الذي أخلص لها وطورها وجاب بها الأمصار والآفاق، ولم ير عن هذا الحب بديلا، محارب لا يلقي السلاح.. مصارع لا يرمي بالمنديل على الحلبة. لقد ظل وعلى امتداد عقود ملتزما وفيا لنهجه وهو ما يؤكده ربرتواره المسرحي باستثناء أعمال قليلة نذكر منها (صالح ومصلوح) التي شاركت بها فرقة (اللواء المسرحي) من تازة في المهرجان الوطني لمسرح الهواة – تطوان 27 مارس 1980 –مسرحية (عتقوا الروح) الفائزة بالجائزة الثانية في مسابقة التأليف المسرحي 1996 ومسرحية (هاملت مرة أخرى) – (عبد السميع في الزمن البديع).
وبعد، يتأسس هذا الكتاب – الذي نقدر الجهد العلمي الرصين الذي بُذِل فيه – على ثلاثة فصول مترابطة، ويمكن اعتبار الفصل الأول – وهذا رأي شخصي – أهم تلك الفصول الذي أفرده المؤلف لـ(هوية المسرح الفردي) انطلاقا من منابعه الشعبية، الأصل الأول، والفرجات اليونانية القديمة مستدلا ببعض الأشكال الفرجوية الفردية لهذا المسرح سواء عندنا أو عند الآخرين.
وهو مدخل نراه ضروريا لوضع القارئ داخل الإطار قصد الفهم والمشاركة، فهم المسرح، المهمة الصعبة، يقدم لنا الفنان عبد الحق الزروالي إشارة حول هذا الفهم، إشكالية فهم المسرح والتعامل مع المسرح تصدرت مسرحيته (عتقوا الروح) (ص 5): «نحتاج لكثير من الوقت وكثير من الموضوعية، وكثير وكثير من العمق والصدق في فهمنا وتعاملنا مع هذا الذي نسميه مسرحا.. نصا.. معنى».
يرجع الكاتب بداية المسرح الفردي عندنا إلى لحظة تجميع وترسيخ الظاهرة وتأصيلها والتي ترتبط بلحظة الالتقاء الجميلة سنة 1976 على إثر المهرجان الأول الذي نظمته بالرباط جمعية (الفن السابع) دون تبني جهة رسمية مشروع هذا المهرجان مستقبلا، ليتم وبعد حوالي عقد من الزمن (1984)، لقاء آخر بدعوة من ثانوية مولاي إدريس بفاس أطلق عليه تعسفا الدورة الثانية، مبادرة فردية أيضا، جاءت لتؤكد أن هذا ا لمسرح موكول أمره إلى الخواص، جمعيات وفرق.. إذ ليس هناك مهرجان رسمي قار.
والواقع أنه لا يمكن وبأي حال من الأحوال، ومهما حاولنا وبذلنا من جهود استخراج شهادة ميلاد مصادق عليها لهذا الذي نسميه (المسرح الفردي)، وكيف ذلك وهو مرتبط بالإنسان مذ كان هذا الإنسان.. من لحظة ميلاد الحركة والإشارة، اللغة، والصوت، الوقوف، الخطو، التقليد والمحاكاة، إلخ، فلقد عرفته كل الشعوب، مارسته في احتفالاتها المتعددة، وطقوسها المختلفة الأغراض.. في لحظات الحزن والألم، المرض والموت، ولحظات الانتشاء والأفراح.
هذا من حيث الشكل، أما إذا كان الأمر مرتبطا بظاهرة مسرحية فردية مرتبة خارج الطقوس والتقاليد.. خارج العادات والمناسبات، مرصودة للفرجة في أبعادها الجمالية والفنية فإننا نرى في الحكم شيئا من التجني وكثيرا من التغييب في حق تجارب سابقة، كان لها يوما حضورها وتوهجها، تحمل في شكلها مواصفات المسرح الحديث. وأستحضر هنا – ليس من باب الحصر – أمثلة لتجارب غميسة، غيبت لأمر ما، قد تكون لحقتها لعنة (التوثيق) المسرحي عندنا، بمعنى أننا لا نوثق بقدر ما نستنسخ سرا وعلانية ما نعتقد أنه موثق اتكاء على أحكام جاهزة، ومواقف سابقة، دون أن نحفر.. دون أن نغوص.. ودون أن نتحقق على الأقل.
ومن ضمن عشرات الأعمال المسرحية الفردية التي عرفتها منطقة الشمال – ولا شك أن الكثير من مثيلاتها كان في جهات مختلفة – أذكر:
وأصر أنني أفرق هنا بين شيء اسمه الحلقة وآخر اسمه (المسرح الفردي).
الفصل الثاني وقف فيه المؤلف وقفة عاشقة مع تجربة عبد الحق الزروالي كأغنى تجربة في المغرب والعالم العربي، بغض النظر عن السؤال المثير والمقلق هل الحلقة، أو.. أو.. مسرحا؟ وأمام أجوبة التوافق أو الاختلاف نكون مدفوعين ومضطرين لإثارة أسئلة أكثر تشويشا: هل المسرح هو النص؟.. هو الركح؟.. هو اللغة؟.. هو؟.. هو؟ ثم هل تصنيف العرض المسرحي يتم بالنظر إلى عد المشخصين فوق الركح؟ فنقول قياسا على (المسرح الفردي)، المسرح الثنائي؟ الثلاثي؟ الخماسي؟ أجيب لا، إذ لا يوجد مسرح إلا المسرح.
بغض النظر عن عدد الممثلين، فالمسرح أردنا أم أبينا فن جماعي بامتياز، أما العرض فشيء آخر لأن المسرح هو الجوهر، هو الأصل، احتفال بامتياز يكون فيه الجمهور أهم عناصر تركيبته، ونحن ندرك عمق العلاقة القائمة بين الطرفين خصوصا عندما يتم تكسير الإيهام بقصد تحقيق تواصل أكثر حميمية وأكثر إيجابية، علاقة لا يكتفى فيها في بعض الأحيان بنسج حوار بين الطرفين، الجمهور/ الممثل إلى الدعوة لصعود الركح. وهذا يحصل باستمرار وفي كل مسرحيات الزروالي، فمهما حاول الممثل أن يعزل ذاته عن الآخرين مسيجا لنفسه عالمه المغلق فلن يتوفق لأن أصل المسرح هو الكل.. هو النحن، وهذا ما يجعلنا نطلق على هذا الشكل مسرح أو مسرحية العرض الفردي، أو مسرحية الممثل الواحد.
يدرك الفنان الزروالي أكثر من غيره أهمية الجمهور في صناعة الاحتفال المسرحي، ويؤثره على غيره من العناصر ليس على مستوى تأثيث الفضاء بل على مستوى المشاركة في التأليف، ولذلك نجد أن أعماله لم تمثل بالتصور الذي أراده لها، ولا يعرف حتى عدد ممثليها على اعتبار أن الجمهور ليس متفرجا ومستهلكا إنما هو عنصر إيجاب وممثل فاعل، وفي هذا السياق أورد المؤلف حكاية طريفة وردت على لسان الزروالي نفسه تتعلق بأولى مسرحياته (الوجه والمرأة) قبل عرضها 1976 «لم أكتب أسماء الممثلين… لأن مساحة الملصق لا تتسع لكل أسماء الجمهور الذي من المنتظر أن يحضر هذا العرض الخ» (ص 68) وبهذا يكون الزروالي قد كسر قواعد اللعبة وهو ينقلها من (المفرد) إلى (الجمع).. إلى الاحتفالية.
فضلا عن إشكالية الممثل والجمهور يتطرق المؤلف في هذا الفصل إلى أهم السمات التي ميزت تجربة الزروالي على مستويين الكتابة الدرامية والركحية انطلاقا من مراحل التجربة وخصائصها، وقد تناول ذلك بطريقة حيادية منصفة.
أما الفصل الثالث والأخير يقترح علينا فيه قراءة مشمولة بعين الرضا، عاشقة، ولهى، ولكنها أيضا عميقة وواعية، منصفة لمسرحية (رحلة العطش) – صدرت سنة 1984 عن مطابع إفريقيا الشرق – ولن نسأله عن طبيعة هذا الاختيار وأسبابه وإنما نسأل عن أية رحلة يتحدث عنها المؤلف هل (رحلة العطش) المطبوعة – المشار إليها – والمعدة للقراءة أم تلك التي قدمها في مهرجان النهر بليبيا بدعم مباشر من الرئيس معمر القذافي، أعتقد أن فرقا كبيرا بينهما، بل وبين باقي العروض سواء التي قدمت داخل المغرب، وفي المهرجان العربي بدمشق أو اليوبيل الفضي لأكاديمية الفنون بالقاهرة، وكذا في الجولة الفنية عبر عدة مدن تونسية.
ومن الإشارات التي يجب الوقوف عندها أن الزروالي في بعض عروضه يقوم بدعوة عينة من الجمهور إلى الخشبة – لا ندري هل منتقاة أم عفوية أم متواطئة ؟ – وينسج معها حوارات، والغرض قد يكون فنيا لتكسير الإيهام وروتينية العرض من أجل الحميمية، وهذا شيء جميل خصوصا على المستوى المشهدية حيث تنتقل بالأداء من الفردي إلى الجماعي الغير منظم. وهنا تكمن خطورة العملية التي قد تؤدي إلى انزلاقات غير مرغوب فيها، إلا أن للزروالي، وهو فنان شامل يملك قدرات خارقة على مستوى الضبط وتوجيه الخطاب وكبح كل جموح محتمل، قدرات لا تتوفر لغيره من باقي الممثلين.
هناك أسئلة تتبادر إلى الذهن:
وبعد، إن تجربة الزروالي تجربة أصيلة عريقة نبتت من المعاناة وجاءت كبيان إدانة للمسرح السائد في عموميته وأغلبه، لم يدخلها صاحبها من فراغ، فقد عانى مع الآخرين ولم يجد نفسه كفنان متوهج في حضورهم الجسدي، فاختار لنفسه شكلا فأبدع فيه وأخلص، وسار به بعيدا.. بعيدا.. مطورا متألقا.. مطورا متألقا.. فاتحا غازيا على امتداد المسافات فكان بحق وجهنا المسرحي المشرق الذي ستر الندوب وغطى الإخفاقات، مخلفا الصدى الطيب، والثناء اللهج.
لنقف جميعا تحية لجهود المؤلف الطاهر الطويل وجهود المُؤَلَّفْ عنه عبد الحق الزروالي.
[1] – قال عنه الشاعر المرحوم أبو عسل: إنه الممثل الوحيد الموهوب المهيأ في كل لحظة أن يقدم عرضا متكاملا ارتجالا.