الرباط ـ «القدس العربي» : خصص العاهل المغربي محمد السادس حيزًا وافرًا من خطابه بمناسبة الذكرى الـ19 لعيد العرش للقضايا الاجتماعية في المغرب، داعيًا الحكومة والأحزاب ومختلف الأطراف المعنية إلى تكثيف الجهود والعمل المشترك من أجل تحديد نقاط الضعف وتجاوزها، ومقترحًا عددًا من الإجراءات العملية المستعجلة لمعالجة الاختلالات المتعلقة بأوضاع الصحة والشغل والاستثمار والإدارة.
وقال في خطابه الذي ألقاه من مدينة الحسيمة عشية (الأحد): «إن الوطنية الحقة تعزز الوحدة والتضامن، وخاصة في المراحل الصعبة. والمغاربة الأحرار لا تؤثر فيهم تقلبات الظروف، رغم قساوتها أحيانًا، بل تزيدهم إيمانًا على إيمانهم، وتقوي عزمهم على مواجهة الصعاب ورفع التحديات». وأضاف قوله: «إني واثق أنهم لن يسمحوا لدعاة السلبية والعدمية، وبائعي الأوهام، باستغلال بعض الاختلالات، للتطاول على أمن المغرب واستقراره، أو لتبخيس مكاسبه ومنجزاته، لأنهم يدركون أن الخاسر الأكبر من إشاعة الفوضى والفتنة هو الوطن والمواطن، على حد سواء.»
وتعهد العاهل المغربي بمواصلة السير والعمل معًا لتجاوز المعيقات الظرفية والموضوعية وتوفير الظروف الملائمة، لمواصلة تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية وخلق فرص العمل وضمان العيش الكريم.
وأكد أن تحقيق المنجزات وتصحيح الاختلالات ومعالجة أي مشكل اقتصادي أو اجتماعي يقتضي العمل الجماعي والتخطيط والتنسيق بين مختلف المؤسسات والفاعلين، وخاصة بين أعضاء الحكومة والأحزاب المكونة لها.
ودعا إلى «الترفع عن الخلافات الظرفية، والعمل على تحسين أداء الإدارة، وضمان السير السليم للمؤسسات، بما يعزز الثقة والطمأنينة داخل المجتمع، وبين كل مكوناته»، موضحًا أن قضايا المواطن لا تقبل التأجيل ولا الانتظار، لأنها لا ترتبط بفترة دون غيرها، وأن الهيئات السياسية الجادة هي التي تقف إلى جانب المواطنين في السراء والضراء.
تجديد النخب السياسية
وفي هذا الصدد، شدد الملك على ضرورة تجديد النخب السياسية، حيث قال: «الواقع أن الأحزاب تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها، إلا أنه يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم هم الذين يعرفون مشاكل الحاضر ومتطلباته. كما يجب عليها العمل على تجديد أساليب اشتغالها وآلياته. فالمنتظر من مختلف الهيئات السياسية والحزبية هو التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، والتفاعل مع الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها، بدل تركها تتفاقم وكأنها غير معنية بما يحدث».
وأشار إلى أن الشأن الاجتماعي يحظى عنده، بصفته ملكًا وإنسانًا، باهتمام وانشغال بالغين، مؤكدًا أنه منذ جلوسه على العرش وهو دائم الإصغاء لنبض المجتمع وللانتظارات المشروعة للمواطنين، ودائم العمل والأمل من أجل تحسين ظروفهم.
وتابع قوله: «إذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن، يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني في الوقت نفسه، أحس أن شيئًا ما ينقصنا في المجال الاجتماعي. وسنواصل العمل في هذا المجال بكل التزام وحزم، حتى نتمكن جميعًا من تحديد نقط الضعف ومعالجتها».
وأفاد العاهل المغربي أن حجم الخصاص الاجتماعي وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية من أهم الأسباب التي دفعته للدعوة، في خطاب افتتاح البرلمان، العام الماضي، إلى تجديد النموذج التنموي الوطني. ولاحظ أنه ليس من المنطق أن نجد أكثر من مئة برنامج للدعم والحماية الاجتماعية من مختلف الأحجام، وترصد لها عشرات المليارات من الدراهم، مشتتة بين العديد من القطاعات الوزارية، والمتدخلين العموميين. وإضافة إلى ذلك، فهي تعاني من التداخل، ومن ضعف التناسق فيما بينها، وعدم قدرتها على استهداف الفئات التي تستحقها. وتساءل: كيف لهذه البرامج، في ظل هذا الوضع، أن تستجيب بفعالية، لحاجيات المواطنين وأن يلمسوا أثرها؟ وذكر بأنه لا يقوم بالنقد من أجل النقد، وإنما يعتبر أن النقد الذاتي فضيلة وظاهرة صحية كلما اقترن القول بالفعل وبالإصلاح.
وفي هذا الصدد، تحدث عن المبادرة الجديدة لإحداث «السجل الاجتماعي الموحد» بداية واعدة، لتحسين مردودية البرامج الاجتماعية، تدريجيًا وعلى المدى القريب والمتوسط. وفسر هذا السجل بكونه نظامًا وطنيًا لتسجيل الأسر، قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، على أن يتم تحديد تلك التي تستحق ذلك فعلًا، عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال التكنولوجيات الحديثة.
وأوضح أن الأمر يتعلق بمشروع اجتماعي استراتيجي وطموح، يهم فئات واسعة من المغاربة، فهو أكبر من أن يعكس برنامجًا حكوميًا ما لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعلًا حزبيًا أو سياسيًا.
وبهذا الخصوص، وجه العاهل المغربي الدعوة إلى الحكومة وجميع الفاعلين المعنيين، للقيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة للبرامج والسياسات الوطنية في مجال الدعم والحماية الاجتماعية، وكذا رفع اقتراحات بشأن تقييمها. وهو ما يتطلب اعتماد مقاربة تشاركية وبُعد النظر والنفس الطويل والسرعة في التنفيذ أيضًا، مع تثمين المكاسب والاستفادة من التجارب الناجحة، يقول محمد السادس.
مبادرات مستعجلة
ووسط مجموعة من المبادرات المستعجلة، يهم أولها إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس (التعليم) ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج «تيسير» للدعم المالي للتمدرس والتعليم الأولي والنقل المدرسي والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف، من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين.
ومن بين الخطوات المستعجلة الأخرى التي تحدث عنها العاهل المغربي: إطلاق المرحلة الثالثة من «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية»، بتعزيز مكاسبها، وإعادة توجيه برامجها للنهوض بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة، ودعم الفئات في وضعية صعبة، وإطلاق جيل جديد من المبادرات المدرة للدخل ولفرص العمل.
أما المبادرة المستعجلة الثالثة فتتمثل في تصحيح الاختلالات التي يعرفها تنفيذ برنامج التغطية الصحية المجانية لفائدة الأسر المعوزة، بموازاة مع إعادة النظر، بشكل جذري، في قطاع الصحة الذي يعاني تفاوتات صارخة، وضعفًا في التدبير.
في حين تتمثل المبادرة الرابعة في الإسراع بإنجاح الحوار الاجتماعي، وفي هذا الصدد دعا العاهل المغربي مختلف الفرقاء الاجتماعيين إلى استحضار المصلحة العليا، والتحلي بروح المسؤولية والتوافق، قصد بلورة ميثاق اجتماعي متوازن ومستدام، بما يضمن تنافسية المقاولة، ويدعم القدرة الشرائية للطبقة العاملة في القطاعين العام والخاص. وحثّ الحكومة على الاجتماع بالنقابات العمالية والتواصل معها بانتظام، بغض النظر عمّا يمكن أن يفرزه هذا الحوار من نتائج.
وارتباطًا بهذا الموضوع، أعرب محمد السادس عن اقتناعه بأن أسمى أشكال الحماية الاجتماعية هو الذي يأتي عن طريق خلق فرص العمل المنتج، والضامن للكرامة، وهو ما لا يتحقق إلا بإحداث نقلة نوعية في مجالات الاستثمار، ودعم القطاع الإنتاجي الوطني.
ولهذه الغاية، ألح ملك المغرب على ضرورة إنجاح ثلاثة وراشات أساسية، يتجلى أولها في إصدار «ميثاق اللاتمركز الإداري»، داخل أجل لا يتعدى نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، بما يتيح للمسؤولين المحليين، اتخاذ القرارات، وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في انسجام وتكامل مع الجهوية المتقدمة.
أما الورشة الثانية فيتمثل في الإسراع بإخراج «الميثاق الجديد للاستثمار»، وبتفعيل إصلاح «المراكز الجهوية للاستثمار»، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها، مثل الموافقة على القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين، عوض الإجماع المعمول به حاليًا، وتجميع كل اللجان المعنية والاستثمار في لجنة جهوية موحدة، وذلك لوضع حد للعراقيل والتبريرات التي تدفع بها بعض القطاعات الوزارية.
وثالث الورشات، يضيف العاهل المغربي، اعتماد نصوص قانونية، تنص من جهة، على تحديد أجل أقصاه شهر، لعدد من الإدارات، للرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، مع التأكيد على أن عدم جوابها داخل هذا الأجل، يعد بمثابة موافقة من قبلها، ومن جهة ثانية على أن لا تطلب أي إدارة عمومية من المستثمر وثائق أو معلومات تتوفر لدى إدارة عمومية أخرى، إذ يرجع للمرافق العمومية التنسيق فيما بينها وتبادل المعلومات، بالاستفادة مما توفره المعلوميات والتكنولوجيات الحديثة.
تحسين جودة الخدمات
وأعرب عن أمله في أن تشكل هذه الإجراءات الحاسمة حافًزا قويًا وغير مسبوق للاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين جودة الخدمات التي تقدمها الإدارات للمواطن، والحد من التماطل الذي ينتج عنه السقوط في الرشوة كما يعرف ذلك جميع المغاربة. كما ستشكل دافعًا لإصلاح الإدارة، حيث ستمكن من تفعيل مبدأ المحاسبة، والوقوف على أماكن التعثر التي تعاكس هذا الإصلاح.
ولفت الانتباه إلى أن المقاولة المنتجة تحتاج اليوم إلى مزيد من ثقة الدولة والمجتمع، لكي يستعيد الاستثمار مستواه المطلوب، ويتم الانتقال من حالة الانتظارية السلبية إلى المبادرة الجادة والمشبعة بروح الابتكار، «فاستعادة الحيوية الاقتصادية تظل مرتبطة بمدى انخراط المقاولة وتجديد ثقافة الأعمال واستثمار المؤهلات المتعددة التي يتيحها المغرب، مع استحضار رهانات التنافسية الدولية، بل والحروب الاقتصادية أحيانًا»، يقول العاهل المغربي.
ومن جهة أخرى، دعا العاهل إلى اتخاذ تدابير استعجالية وتعبئة كل الوسائل لمعالجة الحالات الطارئة، المتعلقة بالنقص في تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، وتوفير مياه سقي المواشي، خاصة في فصل الصيف. وهو ما يتطلق اعتماد مخطط وطني للماء، لمعالجة مختلف الإشكالات المرتبطة بالموارد المائية خلال الثلاثين سنة القادمة.
وتضمن الخطاب الملكي كذلك إشادة بالعمل الإنساني والاجتماعي الذي تقوم به القوات المسلحة الملكية المغربية داخل الوطن وخارجه، وخاصة من خلال المستشفى الميداني في غزة للتخفيف من معاناة الفلسطينيين، ودعم صمودهم، وكذا في مخيم الزعتري، لينضاف إلى دورها الإنساني والطبي سابقًا، في العديد من الدول الإفريقية.
الرباط ـ «القدس العربي» : خصص العاهل المغربي محمد السادس حيزًا وافرًا من خطابه بمناسبة الذكرى الـ19 لعيد العرش للقضايا الاجتماعية في المغرب، داعيًا الحكومة والأحزاب ومختلف الأطراف المعنية إلى تكثيف الجهود والعمل المشترك من أجل تحديد نقاط الضعف وتجاوزها، ومقترحًا عددًا من الإجراءات العملية المستعجلة لمعالجة الاختلالات المتعلقة بأوضاع الصحة والشغل والاستثمار والإدارة.
وقال في خطابه الذي ألقاه من مدينة الحسيمة عشية (الأحد): «إن الوطنية الحقة تعزز الوحدة والتضامن، وخاصة في المراحل الصعبة. والمغاربة الأحرار لا تؤثر فيهم تقلبات الظروف، رغم قساوتها أحيانًا، بل تزيدهم إيمانًا على إيمانهم، وتقوي عزمهم على مواجهة الصعاب ورفع التحديات». وأضاف قوله: «إني واثق أنهم لن يسمحوا لدعاة السلبية والعدمية، وبائعي الأوهام، باستغلال بعض الاختلالات، للتطاول على أمن المغرب واستقراره، أو لتبخيس مكاسبه ومنجزاته، لأنهم يدركون أن الخاسر الأكبر من إشاعة الفوضى والفتنة هو الوطن والمواطن، على حد سواء.»
وتعهد العاهل المغربي بمواصلة السير والعمل معًا لتجاوز المعيقات الظرفية والموضوعية وتوفير الظروف الملائمة، لمواصلة تنفيذ البرامج والمشاريع التنموية وخلق فرص العمل وضمان العيش الكريم.
وأكد أن تحقيق المنجزات وتصحيح الاختلالات ومعالجة أي مشكل اقتصادي أو اجتماعي يقتضي العمل الجماعي والتخطيط والتنسيق بين مختلف المؤسسات والفاعلين، وخاصة بين أعضاء الحكومة والأحزاب المكونة لها.
ودعا إلى «الترفع عن الخلافات الظرفية، والعمل على تحسين أداء الإدارة، وضمان السير السليم للمؤسسات، بما يعزز الثقة والطمأنينة داخل المجتمع، وبين كل مكوناته»، موضحًا أن قضايا المواطن لا تقبل التأجيل ولا الانتظار، لأنها لا ترتبط بفترة دون غيرها، وأن الهيئات السياسية الجادة هي التي تقف إلى جانب المواطنين في السراء والضراء.
تجديد النخب السياسية
وفي هذا الصدد، شدد الملك على ضرورة تجديد النخب السياسية، حيث قال: «الواقع أن الأحزاب تقوم بمجهودات من أجل النهوض بدورها، إلا أنه يتعين عليها استقطاب نخب جديدة، وتعبئة الشباب للانخراط في العمل السياسي، لأن أبناء اليوم هم الذين يعرفون مشاكل الحاضر ومتطلباته. كما يجب عليها العمل على تجديد أساليب اشتغالها وآلياته. فالمنتظر من مختلف الهيئات السياسية والحزبية هو التجاوب المستمر مع مطالب المواطنين، والتفاعل مع الأحداث والتطورات التي يعرفها المجتمع فور وقوعها، بل واستباقها، بدل تركها تتفاقم وكأنها غير معنية بما يحدث».
وأشار إلى أن الشأن الاجتماعي يحظى عنده، بصفته ملكًا وإنسانًا، باهتمام وانشغال بالغين، مؤكدًا أنه منذ جلوسه على العرش وهو دائم الإصغاء لنبض المجتمع وللانتظارات المشروعة للمواطنين، ودائم العمل والأمل من أجل تحسين ظروفهم.
وتابع قوله: «إذا كان ما أنجزه المغرب وما تحقق للمغاربة، على مدى عقدين من الزمن، يبعث على الارتياح والاعتزاز، فإنني في الوقت نفسه، أحس أن شيئًا ما ينقصنا في المجال الاجتماعي. وسنواصل العمل في هذا المجال بكل التزام وحزم، حتى نتمكن جميعًا من تحديد نقط الضعف ومعالجتها».
وأفاد العاهل المغربي أن حجم الخصاص الاجتماعي وسبل تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية من أهم الأسباب التي دفعته للدعوة، في خطاب افتتاح البرلمان، العام الماضي، إلى تجديد النموذج التنموي الوطني. ولاحظ أنه ليس من المنطق أن نجد أكثر من مئة برنامج للدعم والحماية الاجتماعية من مختلف الأحجام، وترصد لها عشرات المليارات من الدراهم، مشتتة بين العديد من القطاعات الوزارية، والمتدخلين العموميين. وإضافة إلى ذلك، فهي تعاني من التداخل، ومن ضعف التناسق فيما بينها، وعدم قدرتها على استهداف الفئات التي تستحقها. وتساءل: كيف لهذه البرامج، في ظل هذا الوضع، أن تستجيب بفعالية، لحاجيات المواطنين وأن يلمسوا أثرها؟ وذكر بأنه لا يقوم بالنقد من أجل النقد، وإنما يعتبر أن النقد الذاتي فضيلة وظاهرة صحية كلما اقترن القول بالفعل وبالإصلاح.
وفي هذا الصدد، تحدث عن المبادرة الجديدة لإحداث «السجل الاجتماعي الموحد» بداية واعدة، لتحسين مردودية البرامج الاجتماعية، تدريجيًا وعلى المدى القريب والمتوسط. وفسر هذا السجل بكونه نظامًا وطنيًا لتسجيل الأسر، قصد الاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، على أن يتم تحديد تلك التي تستحق ذلك فعلًا، عبر اعتماد معايير دقيقة وموضوعية، وباستعمال التكنولوجيات الحديثة.
وأوضح أن الأمر يتعلق بمشروع اجتماعي استراتيجي وطموح، يهم فئات واسعة من المغاربة، فهو أكبر من أن يعكس برنامجًا حكوميًا ما لولاية واحدة، أو رؤية قطاع وزاري، أو فاعلًا حزبيًا أو سياسيًا.
وبهذا الخصوص، وجه العاهل المغربي الدعوة إلى الحكومة وجميع الفاعلين المعنيين، للقيام بإعادة هيكلة شاملة وعميقة للبرامج والسياسات الوطنية في مجال الدعم والحماية الاجتماعية، وكذا رفع اقتراحات بشأن تقييمها. وهو ما يتطلب اعتماد مقاربة تشاركية وبُعد النظر والنفس الطويل والسرعة في التنفيذ أيضًا، مع تثمين المكاسب والاستفادة من التجارب الناجحة، يقول محمد السادس.
مبادرات مستعجلة
ووسط مجموعة من المبادرات المستعجلة، يهم أولها إعطاء دفعة قوية لبرامج دعم التمدرس (التعليم) ومحاربة الهدر المدرسي، ابتداء من الدخول الدراسي المقبل، بما في ذلك برنامج «تيسير» للدعم المالي للتمدرس والتعليم الأولي والنقل المدرسي والمطاعم المدرسية والداخليات. وكل ذلك من أجل التخفيف، من التكاليف التي تتحملها الأسر، ودعمها في سبيل مواصلة أبنائها للدراسة والتكوين.
ومن بين الخطوات المستعجلة الأخرى التي تحدث عنها العاهل المغربي: إطلاق المرحلة الثالثة من «المبادرة الوطنية للتنمية البشرية»، بتعزيز مكاسبها، وإعادة توجيه برامجها للنهوض بالرأسمال البشري للأجيال الصاعدة، ودعم الفئات في وضعية صعبة، وإطلاق جيل جديد من المبادرات المدرة للدخل ولفرص العمل.
أما المبادرة المستعجلة الثالثة فتتمثل في تصحيح الاختلالات التي يعرفها تنفيذ برنامج التغطية الصحية المجانية لفائدة الأسر المعوزة، بموازاة مع إعادة النظر، بشكل جذري، في قطاع الصحة الذي يعاني تفاوتات صارخة، وضعفًا في التدبير.
في حين تتمثل المبادرة الرابعة في الإسراع بإنجاح الحوار الاجتماعي، وفي هذا الصدد دعا العاهل المغربي مختلف الفرقاء الاجتماعيين إلى استحضار المصلحة العليا، والتحلي بروح المسؤولية والتوافق، قصد بلورة ميثاق اجتماعي متوازن ومستدام، بما يضمن تنافسية المقاولة، ويدعم القدرة الشرائية للطبقة العاملة في القطاعين العام والخاص. وحثّ الحكومة على الاجتماع بالنقابات العمالية والتواصل معها بانتظام، بغض النظر عمّا يمكن أن يفرزه هذا الحوار من نتائج.
وارتباطًا بهذا الموضوع، أعرب محمد السادس عن اقتناعه بأن أسمى أشكال الحماية الاجتماعية هو الذي يأتي عن طريق خلق فرص العمل المنتج، والضامن للكرامة، وهو ما لا يتحقق إلا بإحداث نقلة نوعية في مجالات الاستثمار، ودعم القطاع الإنتاجي الوطني.
ولهذه الغاية، ألح ملك المغرب على ضرورة إنجاح ثلاثة وراشات أساسية، يتجلى أولها في إصدار «ميثاق اللاتمركز الإداري»، داخل أجل لا يتعدى نهاية شهر تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، بما يتيح للمسؤولين المحليين، اتخاذ القرارات، وتنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، في انسجام وتكامل مع الجهوية المتقدمة.
أما الورشة الثانية فيتمثل في الإسراع بإخراج «الميثاق الجديد للاستثمار»، وبتفعيل إصلاح «المراكز الجهوية للاستثمار»، وتمكينها من الصلاحيات اللازمة للقيام بدورها، مثل الموافقة على القرارات بأغلبية الأعضاء الحاضرين، عوض الإجماع المعمول به حاليًا، وتجميع كل اللجان المعنية والاستثمار في لجنة جهوية موحدة، وذلك لوضع حد للعراقيل والتبريرات التي تدفع بها بعض القطاعات الوزارية.
وثالث الورشات، يضيف العاهل المغربي، اعتماد نصوص قانونية، تنص من جهة، على تحديد أجل أقصاه شهر، لعدد من الإدارات، للرد على الطلبات المتعلقة بالاستثمار، مع التأكيد على أن عدم جوابها داخل هذا الأجل، يعد بمثابة موافقة من قبلها، ومن جهة ثانية على أن لا تطلب أي إدارة عمومية من المستثمر وثائق أو معلومات تتوفر لدى إدارة عمومية أخرى، إذ يرجع للمرافق العمومية التنسيق فيما بينها وتبادل المعلومات، بالاستفادة مما توفره المعلوميات والتكنولوجيات الحديثة.
تحسين جودة الخدمات
وأعرب عن أمله في أن تشكل هذه الإجراءات الحاسمة حافًزا قويًا وغير مسبوق للاستثمار، وخلق فرص العمل، وتحسين جودة الخدمات التي تقدمها الإدارات للمواطن، والحد من التماطل الذي ينتج عنه السقوط في الرشوة كما يعرف ذلك جميع المغاربة. كما ستشكل دافعًا لإصلاح الإدارة، حيث ستمكن من تفعيل مبدأ المحاسبة، والوقوف على أماكن التعثر التي تعاكس هذا الإصلاح.
ولفت الانتباه إلى أن المقاولة المنتجة تحتاج اليوم إلى مزيد من ثقة الدولة والمجتمع، لكي يستعيد الاستثمار مستواه المطلوب، ويتم الانتقال من حالة الانتظارية السلبية إلى المبادرة الجادة والمشبعة بروح الابتكار، «فاستعادة الحيوية الاقتصادية تظل مرتبطة بمدى انخراط المقاولة وتجديد ثقافة الأعمال واستثمار المؤهلات المتعددة التي يتيحها المغرب، مع استحضار رهانات التنافسية الدولية، بل والحروب الاقتصادية أحيانًا»، يقول العاهل المغربي.
ومن جهة أخرى، دعا العاهل إلى اتخاذ تدابير استعجالية وتعبئة كل الوسائل لمعالجة الحالات الطارئة، المتعلقة بالنقص في تزويد السكان بالماء الصالح للشرب، وتوفير مياه سقي المواشي، خاصة في فصل الصيف. وهو ما يتطلق اعتماد مخطط وطني للماء، لمعالجة مختلف الإشكالات المرتبطة بالموارد المائية خلال الثلاثين سنة القادمة.
وتضمن الخطاب الملكي كذلك إشادة بالعمل الإنساني والاجتماعي الذي تقوم به القوات المسلحة الملكية المغربية داخل الوطن وخارجه، وخاصة من خلال المستشفى الميداني في غزة للتخفيف من معاناة الفلسطينيين، ودعم صمودهم، وكذا في مخيم الزعتري، لينضاف إلى دورها الإنساني والطبي سابقًا، في العديد من الدول الإفريقية.
الطاهر الطويل