الاحتفال بعيد العمال، الأسبوع الماضي، كان فرصة في المغرب لإبراز تناقضات صارخة، ما زال الناس يستحضرونها إلى اليوم، وفي مقدمة تلك التناقضات سلوك الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة، المنتمي لحزب «العدالة والتنمية»، مصطفى الخلفي، فقد نزل إلى الشارع بمعية أعضاء من النقابة العمالية الموالية لهيئته الحزبية (الاتحاد الوطني للشغل)، وما إن أمسك الميكروفون حتى نسي انتماءه للحكومة، وطفق ينتقدها ضمنيا كما لو أنه يوجد في صف المعارضة، حيث قال «لا خير في حكومة لا تنصت للحركة النقابية». مع العلم، أن هذا الوزير يتولى منذ سنوات تلميع صورة الحكومة، لا سيما في التصريحات التلفزيونية التي تعقب الاجتماع الأسبوعي للـوزراء.
أما التناقض الثاني الذي ظهر خلال الاحتفال بأول أيار/ مايو، فيتجلى أنه بقدر ما خصصت نشرات الأخبار التلفزيونية تغطيات مسهبة ـ إلى حد الملل ـ للتجمعات الخطابية التي قامت بها مختلف النقابات العمالية (والتي تكررت فيها الشعارات نفسها تقريبا)، بقدر ما تجاهلت تلك النشرات الحدث البارز الذي طغى على الساحة السياسية والاجتماعية المحلية، والمتمثل في المقاطعة الشعبية لعدد من المنتجات الاستهلاكية. وانتظر المشاهدون أسبوعا بالتمام والكمال، حتى خرج التلفزيون عن صمته، ولم يكن ليفعل لولا أن شركتين معنيتين بالمقاطعة (واحدة لإنتاج الحليب وأخرى لبيع الماء) أصدرت كل واحدة منهما بلاغا في الموضوع بعدما اشتد عليهما الخناق، وتكبدتا خسائر مالية تشهد عليها مؤشرات البورصة.
في حين أن الفضائيات العربية والأجنبية، أثارت الموضوع مبكراً، مثلما فعلت «الجزيرة» في برنامجها «فوق السلطة»، حيث أسهبت في الحديث عن الشعار الذي اختاره المغاربة لمقاطعة شركة منتجة للحليب: «خلليه يريب»، (دعه يفسد عندك)، علماً أن حملة المقاطعة المغربية جاءت بعد حملتين مماثلتين في تونس والجزائر احتجاجا على ارتفاع أثمان السيارات ومواد استهلاكية «خلليها تصدي» (أي دع السيارات تصدأ فلن نشتريها)، وانتقلت الحملات إلى موريتانيا احتجاجا على أسعار خدمات إحدى شركات الهاتف وتدني خدمات الإنترنت هناك، واتخذت لها شعار «خلليها تفلس».
هل يتعلق الأمر بربيع مغاربي جديد، ينطلق من عالم افتراضي هو «الفيسبوك» بدون قيادة محددة ومعروفة، لينفّذ على أرض الواقع تلقائيا من لدن المواطنين؟
رياضة وإعلانات واحتكار أجنبي!
هيمن الحلم المغربي بتنظيم كأس العالم لكرة القدم، سنة 2026، على القنوات التلفزيونية المحلية، ولم يقتصر الأمر على نشرات الأخبار والبرامج الرياضية، بل شمل حتى برامج المنوعات وفقرات الدعاية التجارية (الإشهار). واللافت للانتباه أن بعض المعلنين اختاروا مدرب الفريق المغربي لكرة القدم، الفرنسي «هيرفي رونار»، لترويج منتجاتهم وسلعهم، كنوع من الامتنان والعرفان له على إيصال المنتخب المغربي إلى نهائيات كأس العالم التي ستقام في روسيا الصيف المقبل.
مبدئياً، لا اعتراض على الاحتفاء بالمدرب الفرنسي وإغراقه في كرم حاتمي متواصل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تخصيص «هيرفي رونار» وحده ببطولة تلك الإعلانات التلفزيونية؟ ولماذا لا ينتهج أهل الاقتصاد والإعلانات الصنيع نفسـه مع أبنـاء البلد الذين يحققون لوطـنهم أمجـاداً في مجـالات متعددة، وليـس في الرياضة فحسـب، كالثقـافة والإبـداع والعلـوم والاخـتراعات وغيـرها؟
المدرب المذكور يربطه بالمغرب عقد عمل فقط، مصاغ بطريقة قانونية دقيقة تحمي مصالحه وحقوقه، في حين أن أبناء البلد يربطهم بوطنهم الدم والحب والتضحية ومراعاة المصلحة العامة.
لقد صار الحلم بـ «المونديال» الكروي بمثابة دجاجة أسطورية تبيض ذهباً، ولكن هذا البيض يُمنح لمن لا يستحقه وفق مبدأ المواطنة الحق.
وارتباطاً بمجال كرة القدم، يبث التلفزيون المغربي ـ هذه الأيام ـ فقرة إعلانية، تندرج في إطار الحملة الإعلامية الموازية لتقديم المغرب طلب استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2026. لكن تلك الفقرة الإعلانية صيغت بعقلية ورؤية غربية، لا تستحضر خصوصية الإبداع المغربي على مستوى الموسيقى واللحن، كما أنها لا تستحضر جمالية الطبيعة والتنوع البيئي والمعماري للمغرب. ذلك أن عملاً مثل هذا، يُفترض فيه أن يكون فرصة لإبراز ثراء المكون الحضاري والطبيعي والمعماري للمغرب، وليس فحسب الترويج لفكرة أن كرة القدم اكتسحت كل الفضاءات وصـارت لعـبة شـعبية يمارسـها الكثـيرون كـباراً وصـغاراً.
دعاية تجارية مكشوفة!
هل ستسكت «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري» (المكلفة بمراقبة القنوات التلفزيونية في المغرب) عن محتوى برنامج «أطفال على بال» الذي يقدم على القناة الأولى؟ ففي حلقة أول أمس الأربعاء، أصر منشط البرنامج على الدعاية لمؤسسة تعليمية خاصة حيث ذكر اسمها أكثر من مرة، والحال أن هذا العمل يندرج ضمن الإعلانات التجارية (الإشهار) المؤدى عنها.
ربما كان مبرر منشط البرنامج في ذلك، أنه استضاف تلاميذ وتلميذات ينتمون إلى تلك المؤسسة التعليمية الخاصة. في حين أنه كان مطلوبا منه أن يستضيف تلاميذ مؤسسة تعليمية عمومية، ما دامت القناة الأولى تموّل من المال العمومي وليست خاصة.
على افتراض حسن النية لدى المنشط، كان يفترض في إدارة التلفزيون أن تدقق في محتوى تلك الحلقة وباقي الحلقات قبل بثها، حتى لا تسقط في الدعاية المجانية لمؤسسة خاصة.
كاتب صحافي من المغرب
الاحتفال بعيد العمال، الأسبوع الماضي، كان فرصة في المغرب لإبراز تناقضات صارخة، ما زال الناس يستحضرونها إلى اليوم، وفي مقدمة تلك التناقضات سلوك الوزير الناطق الرسمي باسم الحكومة، المنتمي لحزب «العدالة والتنمية»، مصطفى الخلفي، فقد نزل إلى الشارع بمعية أعضاء من النقابة العمالية الموالية لهيئته الحزبية (الاتحاد الوطني للشغل)، وما إن أمسك الميكروفون حتى نسي انتماءه للحكومة، وطفق ينتقدها ضمنيا كما لو أنه يوجد في صف المعارضة، حيث قال «لا خير في حكومة لا تنصت للحركة النقابية». مع العلم، أن هذا الوزير يتولى منذ سنوات تلميع صورة الحكومة، لا سيما في التصريحات التلفزيونية التي تعقب الاجتماع الأسبوعي للـوزراء.
أما التناقض الثاني الذي ظهر خلال الاحتفال بأول أيار/ مايو، فيتجلى أنه بقدر ما خصصت نشرات الأخبار التلفزيونية تغطيات مسهبة ـ إلى حد الملل ـ للتجمعات الخطابية التي قامت بها مختلف النقابات العمالية (والتي تكررت فيها الشعارات نفسها تقريبا)، بقدر ما تجاهلت تلك النشرات الحدث البارز الذي طغى على الساحة السياسية والاجتماعية المحلية، والمتمثل في المقاطعة الشعبية لعدد من المنتجات الاستهلاكية. وانتظر المشاهدون أسبوعا بالتمام والكمال، حتى خرج التلفزيون عن صمته، ولم يكن ليفعل لولا أن شركتين معنيتين بالمقاطعة (واحدة لإنتاج الحليب وأخرى لبيع الماء) أصدرت كل واحدة منهما بلاغا في الموضوع بعدما اشتد عليهما الخناق، وتكبدتا خسائر مالية تشهد عليها مؤشرات البورصة.
في حين أن الفضائيات العربية والأجنبية، أثارت الموضوع مبكراً، مثلما فعلت «الجزيرة» في برنامجها «فوق السلطة»، حيث أسهبت في الحديث عن الشعار الذي اختاره المغاربة لمقاطعة شركة منتجة للحليب: «خلليه يريب»، (دعه يفسد عندك)، علماً أن حملة المقاطعة المغربية جاءت بعد حملتين مماثلتين في تونس والجزائر احتجاجا على ارتفاع أثمان السيارات ومواد استهلاكية «خلليها تصدي» (أي دع السيارات تصدأ فلن نشتريها)، وانتقلت الحملات إلى موريتانيا احتجاجا على أسعار خدمات إحدى شركات الهاتف وتدني خدمات الإنترنت هناك، واتخذت لها شعار «خلليها تفلس».
هل يتعلق الأمر بربيع مغاربي جديد، ينطلق من عالم افتراضي هو «الفيسبوك» بدون قيادة محددة ومعروفة، لينفّذ على أرض الواقع تلقائيا من لدن المواطنين؟
رياضة وإعلانات واحتكار أجنبي!
هيمن الحلم المغربي بتنظيم كأس العالم لكرة القدم، سنة 2026، على القنوات التلفزيونية المحلية، ولم يقتصر الأمر على نشرات الأخبار والبرامج الرياضية، بل شمل حتى برامج المنوعات وفقرات الدعاية التجارية (الإشهار). واللافت للانتباه أن بعض المعلنين اختاروا مدرب الفريق المغربي لكرة القدم، الفرنسي «هيرفي رونار»، لترويج منتجاتهم وسلعهم، كنوع من الامتنان والعرفان له على إيصال المنتخب المغربي إلى نهائيات كأس العالم التي ستقام في روسيا الصيف المقبل.
مبدئياً، لا اعتراض على الاحتفاء بالمدرب الفرنسي وإغراقه في كرم حاتمي متواصل، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا تخصيص «هيرفي رونار» وحده ببطولة تلك الإعلانات التلفزيونية؟ ولماذا لا ينتهج أهل الاقتصاد والإعلانات الصنيع نفسـه مع أبنـاء البلد الذين يحققون لوطـنهم أمجـاداً في مجـالات متعددة، وليـس في الرياضة فحسـب، كالثقـافة والإبـداع والعلـوم والاخـتراعات وغيـرها؟
المدرب المذكور يربطه بالمغرب عقد عمل فقط، مصاغ بطريقة قانونية دقيقة تحمي مصالحه وحقوقه، في حين أن أبناء البلد يربطهم بوطنهم الدم والحب والتضحية ومراعاة المصلحة العامة.
لقد صار الحلم بـ «المونديال» الكروي بمثابة دجاجة أسطورية تبيض ذهباً، ولكن هذا البيض يُمنح لمن لا يستحقه وفق مبدأ المواطنة الحق.
وارتباطاً بمجال كرة القدم، يبث التلفزيون المغربي ـ هذه الأيام ـ فقرة إعلانية، تندرج في إطار الحملة الإعلامية الموازية لتقديم المغرب طلب استضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2026. لكن تلك الفقرة الإعلانية صيغت بعقلية ورؤية غربية، لا تستحضر خصوصية الإبداع المغربي على مستوى الموسيقى واللحن، كما أنها لا تستحضر جمالية الطبيعة والتنوع البيئي والمعماري للمغرب. ذلك أن عملاً مثل هذا، يُفترض فيه أن يكون فرصة لإبراز ثراء المكون الحضاري والطبيعي والمعماري للمغرب، وليس فحسب الترويج لفكرة أن كرة القدم اكتسحت كل الفضاءات وصـارت لعـبة شـعبية يمارسـها الكثـيرون كـباراً وصـغاراً.
دعاية تجارية مكشوفة!
هل ستسكت «الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري» (المكلفة بمراقبة القنوات التلفزيونية في المغرب) عن محتوى برنامج «أطفال على بال» الذي يقدم على القناة الأولى؟ ففي حلقة أول أمس الأربعاء، أصر منشط البرنامج على الدعاية لمؤسسة تعليمية خاصة حيث ذكر اسمها أكثر من مرة، والحال أن هذا العمل يندرج ضمن الإعلانات التجارية (الإشهار) المؤدى عنها.
ربما كان مبرر منشط البرنامج في ذلك، أنه استضاف تلاميذ وتلميذات ينتمون إلى تلك المؤسسة التعليمية الخاصة. في حين أنه كان مطلوبا منه أن يستضيف تلاميذ مؤسسة تعليمية عمومية، ما دامت القناة الأولى تموّل من المال العمومي وليست خاصة.
على افتراض حسن النية لدى المنشط، كان يفترض في إدارة التلفزيون أن تدقق في محتوى تلك الحلقة وباقي الحلقات قبل بثها، حتى لا تسقط في الدعاية المجانية لمؤسسة خاصة.
كاتب صحافي من المغرب
الطاهر الطويل