عبد الحق الزروالي المفرد في صيغة الجمع

رضوان احدادو (حفل تقديم كتاب المسرح الفردي في تطوان ـ 16/05/2015)

 

حينما تلقيت الدعوة الكريمة للمشاركة في هذا اللقاء لم أتردد في الاستجابة، ولم أعط لنفسي ولو مهلة قصيرة للتفكير رغم الضغط اليومي المثقل بالالتزامات الذي لا يرحم، ولكوني ما رأيت نفسي يوما مقتعدا مقعد الناقد والمحلل المُقَيِّم.. المستغور الكاشف، استجبت وقبلت بلا تردد لاعتبارات ثلاث، أولاها التقدير الكبير الذي أكنه لهاته المؤسسة الفكرية المتوهجة ولراعيتها الأستاذة الشاعرة الأديبة الدكتورة سعاد الناصر، ولمقعد الحب والتقدير الذي يحتله في قلبي المؤلف الصديق الإعلامي المبدع الطاهر الطويل الذي جمعتني وإياه على امتداد عقود مواقف مشرقة مشهودة.. رفيق نضال من أجل أن يكون المسرح عصية هي عن التجاوز والنسيان، وأيضا الصديق الفنان المسرحي عبد الحق الزروالي، هذا الفردي الجمعي من زمن العشق الأول المتوهج الأسر.. زمن الهواية إلى زمن الاحتراق.. الاحتراف.. رحلة الجفاف والصهد والعطش. لا يقدر شدة حرفتها إلا من كابدها.

اليوم تدعونا هاته الدار مشكورة للالتفاف حول مائدة باذخة، دسمة بكل المقاييس، وكيف لا تكون كذلك وهي معدة للمسرح.. المسرح بأناقته الأنيقة وتوهجه الوهاج.

فشكرا مرة أخرى مع تثمين هذا الاختيار الجميل «المسرح الفردي في العالم العربي من خلال تجربة عبد الحق الزروالي» التي نعدها بحق تجربة رائدة ومتميزة، بل نكاد نقول ظاهرة اقترنت باسم هذا المبدع واقترن اسمه بها، هنا، وعلى مستوى الوطن العربي.

لن نختلف، لن نجادل في ريادة الفنان عبد الحق الزروالي عربيا لهذا الشكل المسرحي من منطلق أن كل الذين مروا بالتجربة – بدون استثناء – لم يذهبوا بها بعيدا، أغلبهم ظل واقفا عند خط البداية، لم يركبوها عن قناعة، فكانت عندهم لا أكثر من تجربة عابرة كغيرها من التجارب التي مروا بها، باستثناء الزروالي الذي أخلص لها وطورها وجاب بها الأمصار والآفاق، ولم ير عن هذا الحب بديلا، محارب لا يلقي السلاح.. مصارع لا يرمي بالمنديل على الحلبة. لقد ظل وعلى امتداد عقود ملتزما وفيا لنهجه وهو ما يؤكده ربرتواره المسرحي باستثناء أعمال قليلة نذكر منها (صالح ومصلوح) التي شاركت بها فرقة (اللواء المسرحي) من تازة في المهرجان الوطني لمسرح الهواة – تطوان 27 مارس 1980 –مسرحية (عتقوا الروح) الفائزة بالجائزة الثانية في مسابقة التأليف المسرحي 1996 ومسرحية (هاملت مرة أخرى) – (عبد السميع في الزمن البديع).

وبعد، يتأسس هذا الكتاب – الذي نقدر الجهد العلمي الرصين الذي بُذِل فيه – على ثلاثة فصول مترابطة، ويمكن اعتبار الفصل الأول – وهذا رأي شخصي – أهم تلك الفصول الذي أفرده المؤلف لـ(هوية المسرح الفردي) انطلاقا من منابعه الشعبية، الأصل الأول، والفرجات اليونانية القديمة مستدلا ببعض الأشكال الفرجوية الفردية لهذا المسرح سواء عندنا أو عند الآخرين.

وهو مدخل نراه ضروريا لوضع القارئ داخل الإطار قصد الفهم والمشاركة، فهم المسرح، المهمة الصعبة، يقدم لنا الفنان عبد الحق الزروالي إشارة حول هذا الفهم، إشكالية فهم المسرح والتعامل مع المسرح تصدرت مسرحيته (عتقوا الروح) (ص 5): «نحتاج لكثير من الوقت وكثير من الموضوعية، وكثير وكثير من العمق والصدق في فهمنا وتعاملنا مع هذا الذي نسميه مسرحا.. نصا.. معنى».

يرجع الكاتب بداية المسرح الفردي عندنا إلى لحظة تجميع وترسيخ الظاهرة وتأصيلها والتي ترتبط بلحظة الالتقاء الجميلة سنة 1976 على إثر المهرجان الأول الذي نظمته بالرباط جمعية (الفن السابع) دون تبني جهة رسمية مشروع هذا المهرجان مستقبلا، ليتم وبعد حوالي عقد من الزمن (1984)، لقاء آخر بدعوة من ثانوية مولاي إدريس بفاس أطلق عليه تعسفا الدورة الثانية، مبادرة فردية أيضا، جاءت لتؤكد أن هذا ا لمسرح موكول أمره إلى الخواص، جمعيات وفرق.. إذ ليس هناك مهرجان رسمي قار.

والواقع أنه لا يمكن وبأي حال من الأحوال، ومهما حاولنا وبذلنا من جهود استخراج شهادة ميلاد مصادق عليها لهذا الذي نسميه (المسرح الفردي)، وكيف ذلك وهو مرتبط بالإنسان مذ كان هذا الإنسان.. من لحظة ميلاد الحركة والإشارة، اللغة، والصوت، الوقوف، الخطو، التقليد والمحاكاة، إلخ، فلقد عرفته كل الشعوب، مارسته في احتفالاتها المتعددة، وطقوسها المختلفة الأغراض.. في لحظات الحزن والألم، المرض والموت، ولحظات الانتشاء والأفراح.

هذا من حيث الشكل، أما إذا كان الأمر مرتبطا بظاهرة مسرحية فردية مرتبة خارج الطقوس والتقاليد.. خارج العادات والمناسبات، مرصودة للفرجة في أبعادها الجمالية والفنية فإننا نرى في الحكم شيئا من التجني وكثيرا من التغييب في حق تجارب سابقة، كان لها يوما حضورها وتوهجها، تحمل في شكلها مواصفات المسرح الحديث. وأستحضر هنا – ليس من باب الحصر – أمثلة لتجارب غميسة، غيبت لأمر ما، قد تكون لحقتها لعنة (التوثيق) المسرحي عندنا، بمعنى أننا لا نوثق بقدر ما نستنسخ سرا وعلانية ما نعتقد أنه موثق اتكاء على أحكام جاهزة، ومواقف سابقة، دون أن نحفر.. دون أن نغوص.. ودون أن نتحقق على الأقل.

ومن ضمن عشرات الأعمال المسرحية الفردية التي عرفتها منطقة الشمال – ولا شك أن الكثير من مثيلاتها كان في جهات مختلفة – أذكر:

  • تجربة (التركي) – أوائل القرن 19 بتطوان – وكان يعرض بفندق مخصص للبهائم بمعدل مرتين أو ثلاث في الأسبوع مسرحيته (الزاوز) هذا الطائر الذي هاجر موطنه الأصلي باحثا عن عالم أرحب مستعرضا من خلال هذا الرمز ظروفه ومأساة حياته.
  • تجربة (الخيروني) هذا الفلاح الذي يأتي في أغلب المساءات إلى ساحة (الوسعة) أهم ساحات تطوان العتيقة فيغير ملابسه ويبدأ في عرض فردي.
  • تجربة محمد بن عبد الهادي بشفشاون الذي كان يدعى خصيصا للحفلات والمناسبات الخاصة والعامة ويقدم مسرحه أمام جمهور متنوع يتأسس عادة من المدعوين. ومن الذين شاهدوا عروضه الفردية، الفكاهية الزعيمان: علال الفاسي، وعبد الخالق الطريس، وبعض الرسميين، وكان متخصصا في أداء دور (اليهودي) بحكم علاقاته المتعددة التي كانت له مع يهود شفشاون، لدرجة أن علال الفاسي استعصى عليه أن (الممثل) مغربي مسلم[1].
  • وتجربة (بلبصير) الرجل الأعمى الذي كان يقدم مسرحه بساحة (وطا لحمام) بشفشاون.

وأصر أنني أفرق هنا بين شيء اسمه الحلقة وآخر اسمه (المسرح الفردي).

الفصل الثاني وقف فيه المؤلف وقفة عاشقة مع تجربة عبد الحق الزروالي كأغنى تجربة في المغرب والعالم العربي، بغض النظر عن السؤال المثير والمقلق هل الحلقة، أو.. أو.. مسرحا؟ وأمام أجوبة التوافق أو الاختلاف نكون مدفوعين ومضطرين لإثارة أسئلة أكثر تشويشا: هل المسرح هو النص؟.. هو الركح؟.. هو اللغة؟.. هو؟.. هو؟ ثم هل تصنيف العرض المسرحي يتم بالنظر إلى عد المشخصين فوق الركح؟ فنقول قياسا على (المسرح الفردي)، المسرح الثنائي؟ الثلاثي؟ الخماسي؟ أجيب لا، إذ لا يوجد مسرح إلا المسرح.

بغض النظر عن عدد الممثلين، فالمسرح أردنا أم أبينا فن جماعي بامتياز، أما العرض فشيء آخر لأن المسرح هو الجوهر، هو الأصل، احتفال بامتياز يكون فيه الجمهور أهم عناصر تركيبته، ونحن ندرك عمق العلاقة القائمة بين الطرفين خصوصا عندما يتم تكسير الإيهام بقصد تحقيق تواصل أكثر حميمية وأكثر إيجابية، علاقة لا يكتفى فيها في بعض الأحيان  بنسج حوار بين الطرفين، الجمهور/ الممثل إلى الدعوة لصعود الركح. وهذا يحصل باستمرار وفي كل مسرحيات الزروالي، فمهما حاول الممثل أن يعزل ذاته عن الآخرين مسيجا لنفسه عالمه المغلق فلن يتوفق لأن أصل المسرح هو الكل.. هو النحن، وهذا ما يجعلنا نطلق على هذا الشكل مسرح أو مسرحية العرض الفردي، أو مسرحية الممثل الواحد.

يدرك الفنان الزروالي أكثر من غيره أهمية الجمهور في صناعة الاحتفال المسرحي، ويؤثره على غيره من العناصر ليس على مستوى تأثيث الفضاء بل على مستوى المشاركة في التأليف، ولذلك نجد أن أعماله لم تمثل بالتصور الذي أراده لها، ولا يعرف حتى عدد ممثليها على اعتبار أن الجمهور ليس متفرجا ومستهلكا إنما هو عنصر إيجاب وممثل فاعل، وفي هذا السياق أورد المؤلف حكاية طريفة وردت على لسان الزروالي نفسه تتعلق بأولى مسرحياته (الوجه والمرأة) قبل عرضها 1976 «لم أكتب أسماء الممثلين… لأن مساحة الملصق لا تتسع لكل أسماء الجمهور الذي من المنتظر أن يحضر هذا العرض الخ» (ص 68) وبهذا يكون الزروالي قد كسر قواعد اللعبة وهو ينقلها من (المفرد) إلى (الجمع).. إلى الاحتفالية.

فضلا عن إشكالية الممثل والجمهور يتطرق المؤلف في هذا الفصل إلى أهم السمات التي ميزت تجربة الزروالي على مستويين الكتابة الدرامية والركحية انطلاقا من مراحل التجربة وخصائصها، وقد تناول ذلك بطريقة حيادية منصفة.

أما الفصل الثالث والأخير يقترح علينا فيه قراءة مشمولة بعين الرضا، عاشقة، ولهى، ولكنها أيضا عميقة وواعية، منصفة لمسرحية (رحلة العطش) – صدرت سنة 1984 عن مطابع إفريقيا الشرق – ولن نسأله عن طبيعة هذا الاختيار وأسبابه وإنما نسأل عن أية رحلة يتحدث عنها المؤلف هل (رحلة العطش) المطبوعة – المشار إليها – والمعدة للقراءة أم تلك التي قدمها في مهرجان النهر بليبيا بدعم مباشر من الرئيس معمر القذافي، أعتقد أن فرقا كبيرا بينهما، بل وبين باقي العروض سواء التي قدمت داخل المغرب، وفي المهرجان العربي بدمشق أو اليوبيل الفضي لأكاديمية الفنون بالقاهرة، وكذا في الجولة الفنية عبر عدة مدن تونسية.

ومن الإشارات التي يجب الوقوف عندها أن الزروالي في بعض عروضه يقوم بدعوة عينة من الجمهور إلى الخشبة – لا ندري هل منتقاة أم عفوية أم متواطئة ؟ – وينسج معها حوارات، والغرض قد يكون فنيا لتكسير الإيهام وروتينية العرض من أجل الحميمية، وهذا شيء جميل خصوصا على المستوى المشهدية حيث تنتقل بالأداء من الفردي إلى الجماعي الغير منظم. وهنا تكمن خطورة العملية التي قد تؤدي إلى انزلاقات غير مرغوب فيها، إلا أن للزروالي، وهو فنان شامل يملك قدرات خارقة على مستوى الضبط وتوجيه الخطاب وكبح كل جموح محتمل، قدرات لا تتوفر لغيره من باقي الممثلين.

هناك أسئلة تتبادر إلى الذهن:

  • هذا الشكل هل هو اختيار أملته مبررات وتصورات فنية موضوعية أم البحث عن التفرد والتميز؟ وفي غياب جواب صريح يبقى من حقنا التأويل ونحن نبحث عن الأسباب، وهو باب سيظل مشرعا إلى أن يحضر (جودو).
  • إذا نحن استثنينا (الزغننة) لتيمد، لماذا أحجمت الفرق المسرحية عن الاشتغال بمسرحيات الممثل الواحد؟
  • أغلب الذين كتبوا مسرحيات الممثل الواحد كتبوها لأنفسهم أو كتبوها لنا من خلال قدراتهم، فكان المؤلف هو الممثل وهو المخرج أيضا – في بعضها – استحضروا قدراتهم الفنية والإبداعية والتعبيرية واللغوية فصلوها على أجسادهم بعناية دقيقة.. الحركة.. الصوت.. البياض.. السواد ومن هنا تأتي صعوبة تشخيص الآخرين لتلك الأدوار، عكس المسرحيات الفردية التي كتبها أصحابها لغيرهم مثل (الناس والحجارة) لبرشيد.

وبعد، إن تجربة الزروالي تجربة أصيلة عريقة نبتت من المعاناة وجاءت كبيان إدانة للمسرح السائد في عموميته وأغلبه، لم يدخلها صاحبها من فراغ،  فقد عانى مع الآخرين ولم يجد نفسه كفنان متوهج في حضورهم الجسدي، فاختار لنفسه شكلا فأبدع فيه وأخلص، وسار به بعيدا.. بعيدا.. مطورا متألقا.. مطورا متألقا.. فاتحا غازيا على امتداد المسافات فكان بحق وجهنا المسرحي المشرق الذي ستر الندوب وغطى الإخفاقات، مخلفا الصدى الطيب، والثناء اللهج.

لنقف جميعا تحية لجهود المؤلف الطاهر الطويل وجهود المُؤَلَّفْ عنه عبد الحق الزروالي.

[1]  – قال عنه الشاعر المرحوم أبو عسل: إنه الممثل الوحيد الموهوب المهيأ في كل لحظة أن يقدم عرضا متكاملا ارتجالا.

ذات صلة