اتخذ فن الكاريكاتير خلال مساره في المغرب تمظهرات مختلفة، حيث ركز رساموه في البداية على البعد الجمالي، ليصير في ما بعد سلاحا سياسيا، قبل أن ينصب الاشتغال على الكاريكاتير كرمز. ووجد الكاريكاتير فضاءه الرحب في الصحف، فانتعش بأصنافه المتعددة: الكاريكاتير السياسي والاجتماعي والكاريكاتير الصحافي. وارتقى إلى أن وصل إلى إحداث جائزة خاصة بـ”صحافة الرسم الكاريكاتيري” ضمن “الجائزة الوطنية للصحافة”، مثلما أُعلن عن ذلك أواخر العام المنصرم، وذلك من منطلق أن هذا الإبداع لم يعد ترفاً فنياً، بل صار مكوناً أساسياً من مكونات أي مطبوع ورقي أو إلكتروني، ويحظى بمتابعة واسعة من قبل القراء والمتلقين.
وبالنظر إلى مكانة هذا الفن ضمن باقي الإبداعات، أصدر الفنان والباحث التشكيلي المغربي إبراهيم الحيسن، أخيرا، كتابا بعنوان “الكاريكاتير في المغرب: السخرية على مِحك الممنوع”، يتناول عبر فصوله الثلاثة موضوع السخرية والسخرية الأيقونية، والكاريكاتير المصطلح والسياق، وتجربة الكاريكاتير في المغرب، مثلما تناول هذا الفصل صحافة الكاريكاتير في المغرب سواء منها الصحف الساخرة الرائدة “أخبار الدنيا، الكواليس، أخبار السوق، التقشاب، الأسبوع الضاحك، أخبار الفن..”، أو الصحف الساخرة الجديدة (جريدة “بابوبي”، ملاحق ساخرة في صحف يومية..). كما رصد جملة من الإكراهات التي لا تزال تعتري مجال الكاريكاتير، مثلما ورد في شهادات وكتابات رسامين مغاربة ينتمون لحقب وأجيال مختلفة، ليخلص الكتاب إلى توصيات وتدابير تدعو إلى توثيق الرسم الكاريكاتيري في المغرب ودعم مبدعيه وتحفيزهم على المزيد من البذل والعطاء والإنتاج.
توصيات واقتراحات
ومن ضمن التوصيات والاقتراحات التي يقدمها الكاتب: الحفاظ على استمرارية الجائزة التحفيزية “جائزة الرسم الكاريكاتيري” المعلن عنها مؤخراً، وتشجيع الكتاب والباحثين ومنحهم الظروف والشروط المادية الملائمة لإنجاز دراسات وأبحاث في مجال الرسم الكاريكاتيري متعلقة بتجارب محلية، إلى جانب العمل على إنجاز مجلة ورقية فصلية (بالألوان) تُعنى بفن وثقافة الكاريكاتير؛ بالإضافة إلى
إعداد دليل توثيقي، أو معجم تعريفي خاص برسامي الكاريكاتير في المغرب يتضمن سِيرهم الفنية ونماذج من إبداعاتهم معززة بنصوص وقراءات مضيئة، وكذا إنجاز مونوغرافيات مرجعية من النوع الرفيع لرواد فن الكاريكاتير في المغرب توثيقاً لمساراتهم الفنية التعبيرية حفاظاً عليها من أتون الضياع والاندثار.
كما يوصي مؤلف الكتاب بإدراج شعبة للرسم الكاريكاتيري (على غرار الأشرطة المرسومة) ضمن البرامج التعليمية والتكوينية في المعهد الوطني للفنون الجميلة في تطوان والمدرسة العليا للفنون الجميلة في الدار البيضاء، مع إسناد هذه المهمة لمبدعين متمرسين لهم خبرة واسعة في المجال. ويقترح كذلك تنظيم مهرجان وطني متنقل لفن الكاريكاتير وإقامته مرة كل سنتين في المدن والجهات المغربية لإطلاع الجمهور العريض على الخصائص التعبيرية والجمالية لها الفن الساخر والهادف، مع ما يرافق ذلك من ورشات تدريبية وندوات ومحاضرات، وكذا توقيع الإصدارات ذات الصلة، إلى جانب تكريم الفنانين والمبدعين.
ذاكرة فن الكاريكاتير
وفي تقديم الكتاب، يوضح الإعلامي والباحث بوشعيب الضبار، أن هذا الإصدار هو الأول من نوعه في المغرب، في شكله ومضمونه وفي طريقة تناوله للفن الساخر. ومن ثم، حاول مؤلفه الإحاطة بالموضوع من جميع الجوانب، تاريخاً ومصطلحاً ومفهوماً، حتى يكون أرضية قابلة لمزيد من المبادرات.
وأشار الضبار إلى أن هذا المؤلـف جاء في توقيته تماماً، بعد أن أصبح من اللافت للانتباه ما يسجله الرسم الصحافي الساخر، في السنين الأخيرة، من حضور متنامٍ في الصحافة المغربية، مكتوبة وإلكترونية، وفي مختلف مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الأمر الذي يعني، في ما يعنيه، أن هناك وعياً بأهمية هذا الفن الذي استطاع أن يفرض نفسه من خلال تفجيره لمجموعة من الملفات المسكوت عنها، عبر تنوع التجارب، وتعدد التعبيرات والأنماط والأساليب الفنية.
وأضاف صاحب التقديم قوله: “اليوم، يكاد أن يكون تقريباً، لكل منبر إعلامي مكتوب أو موقع إلكتروني، رسام كاريكاتير خاص به، يمده يومياً بما تجود به ريشته من لذعات حادة، تنتقد تقلبات الأوضاع السياسية، والتحولات الاجتماعية، مع تفاوت ملحوظ، إن جاز التعبير، في مساحات حرية التعبير، حسب خطوط التحرير”.
ولاحظ أن هذا الحضور المتزايد لفن الكاريكاتير في المغرب، لم يأتِ من فراغ، بل جاء نتيجة تراكم تضحيات كتيبة من الفنانين، خاصة منهم أولئك الرواد الذين وضعوا بصماتهم على أسس البدايات، وكانوا بمثابة علامات مضيئة على الطريق، بعد أن نال كل واحد منهم نصيبه من المعاناة والإقصاء والتهميش، في لحظات مفصلية من تاريخ المغرب السياسي، وخاصة خلال سنوات الرصاص. واستشهد ببعض الحالات، من بينها اعتقال ابراهيم لمهادي صحيفة “المحرر” والبوهالي حميد “التقشاب” ومضايقة محمد الفيلالي “لوبنيون” ومنع السلطة للعربي الصبان “العلم” من النشر لدواع سياسية وتعويض ركنه بـ”فصاحة البياض” ومحاكمة خالد كدار “أخبار اليوم” والتوقيف المفاجئ للحسن بختي من العمل في “الاتحاد الاشتراكي” دون مبرر قانوني.
وتابع قائلا: مع مرور السنين، برز جيل جديد من الإصدارات الصحافية المهتمة بالسخرية والكاريكاتير لاستكمال المشوار، بعضها توقف، إما لإكراهات مادية، أو لظروف سياسية مختلفة، من بينها على سبيل المثال لا الحصر، “الهدهد” لأحمد السنوسي (بزيز)، و”أخبار السوق” لمحمد الفيلالي، و”التقشاب” لحميد البوهالي، و”المقلاع” للعربي الصبان، و”أبيض وأسود” لعبد اللطيف كلزيم، و”دومان” و”دومان ماغازين” لعلي المرابط، الذي كان قد حكم عليه بالمنع من الكتابة لمدة عشر سنوات، و”بوبي” لخالد كدار التي تحولت إلى موقع الكتروني. مقابل ذلك ـ يضيف بوشعيب الضبار ـ هناك إصدارات أخرى، ذات طبيعة صحافية عامة وإخبارية شاملة تواصل المسار، تضع الكاريكاتير ضمن مكوناتها، وأجناسها الصحافية، وأحيانا يتصدر صفحاتها الأولى.
وسجل بروز مؤشرات تحفز على المضي بمشروع التوثيق نحو مداه الرحب، من بينها كتب لبعض الرواد، أمثال: ابراهيم لمهادي، والعربي الصبان، ومحمد ليتيم وغيرهم، وتتضمن مجموعة من الرسومات النابضة بالسخرية، ولمحات من المنجز الفني والسيرة الذاتية.
ومما جاء في المقدمة أيضا: رغم العراقيل التي قد تنتصب في وجهه من طرف بعض العقليات الرافضة لكل مظاهر التغيير، فإن الكاريكاتير لم يعد مكتفياً بالصحافة المكتوبة والإلكترونية، كنافذة يطل منها يومياً على المتلقي، فقد سعى لاقتحام آفاق أخرى مثل المسرح (تجربة عبد الحق الزروالي مع رسوم العربي الصبان في إحدى المسرحيات) وكذا الشاشة الصغيرة من خلال مشاركة لحسن بختي في حلقات بعض برامج القناة الثانية، وخالد الشرادي في قناة “ميدي 1 تي في”. ولم يكتف الكاريكاتير بذلك، بل امتد ليشمل الملتقيات والمعارض الفنية، حتى أصبح له موعد سنوي يتم الاحتفاء فيه برموزه وفنانيه، في ملتقى شفشاون للكاريكاتير والإعلام، الذي تقف وراءه جمعية “فضاءات تشكيلية” برئاسة الفنانة نزيهة بشير العلمي، ومساندة محمد أحمد عدة، مدير الملتقى، ودعم الفنانين محمد الخزوم، وعبد الغني الدهدوه، وخالد الشرادي، وغيرهم من ممارسي هذا الفن الجميل.
الطاهر الطويل