الطاهر الطويل
لم يكتب للمهندسة العراقية/ البريطانية زها حديد أن تعيش لحظة اكتمال تُحفتها المعمارية “المسرح الكبير” للعاصمة المغربية الرباط، فقد رحلت عام 2016، تاركة الأعين تتمتع بهذه الأيقونة الرائعة، والألسن تستحضر مختلف التصميمات المعمارية المذهلة التي ابتكرتها زها في شتى بلدان العالم، شاهدةً على عبقرية المرأة العربية.
شُرع في بناء “المسرح الكبير”، أحد أكبر المسارح في إفريقيا، عام 2014 بعد أربع سنوات من تصميمه وتخطيطه وإعداد الدراسات المتعلقة به، على ضفة نهر أبي رقراق الفاصل بين مدينتي الرباط وسلا، وذلك وفق أسلوب معماري يقوم على خطوط ومنحنيات متموجة مستوحاة من النهر نفسه.
هذا الصرح منفتح على البيئة الطبيعية التي يمثلها النهر والمساحات الخضراء من جهة، وعلى تجليات الأصالة والمعاصرة من جهة ثانية. تتبدى الأصالة في قصبة “الأوداية” و”صومعة حسان” و”ضريح محمد الخامس”، بينما تجد المعاصرة بعض مقوماتها في “برج محمد السادس” الذي يوشك بناؤه على الانتهاء وكذا في “ترامواي” الرابط بين المدينتين الجارتين والمحاذي لقنطرة (جسر) “الحسن الثاني”.
هذا المشروع تشرف عليه “وكالة تنمية أبي رقراق”، ويندرج ضمن برنامج “الرباط مدينة الأنوار: عاصمة المغرب الثقافية”، ضمن طموح يتلخص في تثمين الموروث العمراني والمساهمة في الإشعاع الثقافي لمدينتي سلا والرباط، المدينة الخضراء المدرجة في قوائم “اليونيسكو” باعتبارها موروثا عالميا.
وقد تضافرت خبرات مغربية وأجنبية من أجل تنفيذ مشروع “المسرح الكبير” على مساحة إجمالية تبلغ 27 ألف متر مربع، ويشمل قاعة مسرحية بسعة 1800 مقعد، ومدرجا خارجيا بسعة 7000 شخص، وقاعة أخرى تفي بوظائف المسرح الصغير، فهي متعددة الاستعمالات، إذ يمكن استخدامها للتمرين، أو اجتماعات عفوية للفنانين، أو حتى كمكان للقاءات الرسمية؛ علاوة على مكتبة ومقهى ومطعمًا لـ 350 شخصًا.
ومن ثم، سيكون “المسرح الكبير” مؤسسة راقية مجهزة بنظام صوتيات عالية الجودة وبمعدات وتقنيات سينوغرافيا ذات مستوى عالمي. وبنوع من المزيج بين الأصالة والمعاصرة، جرى استلهام المقومات التزيينية للقاعة الكبرى من العناصر الزخرفية المنتشرة في العمارة الإسلامية.
انتهى العمل في هذا المشروع عام 2021، لكن أزمة فيروس “كورونا” المستجد حالت دون الافتتاح الرسمي للمسرح، وكلف بناؤه حوالي ملياري درهم مغربي. وهو يقع على بعد 160 متر شرق جسر الحسن الثاني، و500 متر شرق ضريح محمد الخامس وصومعة حسان، و800 متر جنوب شرق كورنيش النهر و700 متر من برج محمد السادس.
إن تحقيق هذا الصرح جزء من سياسة تعزيز البنى التحتية الثقافية في جميع أنحاء المملكة وبشكل خاص في مدينة الرباط، وهو يجسد إرادة الملك محمد السادس في تزويد العاصمة بمسرح كبير يجعل من الممكن رفعها إلى مرتبة العواصم الثقافية الكبرى في البحر الأبيض المتوسط؛ مثلما تؤكد “وكالة تنمية نهر أبي رقراق” التي تشرف على المشروع الموصوف بكونه “أيقونة للتجديد الثقافي والفني لعاصمة المملكة.”
وتعود علاقة المغاربة بالمسارح الحديثة إلى العقود الأولى للقرن العشرين، حيث شيدت خلال فترة خضوع المغرب للإدارة الاستعمارية الإسبانية والفرنسية بنايات مسرحية ما زال بعضها قائما إلى الآن. ففي طنجة بُني سنة 1913 مسرح “سرفانتس”، نسبة إلى الكاتب المسرحي الإسباني الشهير، وكان يسع لحوالي 1400 متفرج، وظلّ يستقبل العروض الفنية المحلية والعالمية، إلى أن صار مهجورا نتيجة غياب الجهة الراعية، إذ بقي تابعا لسلطات مدريد. وفي عام 2006، جرى الاتفاق بين وزارتي الثقافة المغربية والإسبانية على إنقاذ هذه المعلمة من الانهيار، وعلى الرغم من أن الواجهة تبدو في حالة جيدة، إلا أنه كان لا بد من تخصيص مليون درهم مغربي لأعمال التدعيم والترميم لتفادي خطر الانهيار. وفي عام 2011، بادرت مجموعة من الإسبان وأهالي طنجة بتأسيس جمعية “دعم ما ينهار”، بهدف الحفاظ على مسرح “سرفانتس” من خلال تحويله إلى مجمع ثقافي مخصص للفنون المسرحية والموسيقية، فضلا عن كونه تراثا تاريخيا قادرا على التحول إلى قبلة للسياحة الثقافية.
وشهدت مدينة تطوان بناء منشأتين مسرحيتين، هما: مسرح “المصلى القديمة” أو مسرح “الملكة فيكتوريا” الذي بني عام 1914، ومسرح “إسبانيول” الذي بني عام 1923، وظل يستقبل عروض “الفلامينكو” وغيرها من العروض الفنية، قبل أن يتحول خلال خمسينيات القرن الماضي إلى قاعة سينمائية يمكن أن تستقبل ألف متفرج. وما زالت هذه القاعة قائمة إلى اليوم، وتستقبل العروض المتنافسة في إطار المهرجان الوطني للمسرح الذي تنظمه وزارة الثقافة المغربية.
وفي مدينة الدار البيضاء، قامت السلطات الاستعمارية عام 1920 ببناء “المسرح البلدي” الذي كان ولوجه في البداية مقتصرا على “غير المغاربة”، واستقطب العديد من الفرق المسرحية والموسيقية العالمية، حيث خلق حركة ثقافية قوية في المدينة لمدة 62 عامًا، ستنتهي عام 1984، تاريخ هدم هذا المسرح الذي سبق أن تولى إدارته الفنان المسرحي الراحل الطيب الصديقي. ويعزو متتبعون سبب الهدم إلى تضايق السلطات المغربية آنذاك من الحفل الفني الحاشد الذي أحياه النجمان اللبنانيان أحمد قعبور ومارسيل خليفة تضامنا مع المقاومة الفلسطينية. وقد وثّق الطيب الصديقي ذلك الحدث المؤلم في مسرحية حملت عنوان “العشاء الأخير أو ليلة هدم المسرح البلدي”.
وفي مدينة الجديدة، أنشئ عام 1923 “المسرح البلدي” الذي أوكلت مهمه تنفيذه إلى المهندس المعماري الفرنسي “دولابورت” Delaporte بعد انتهائه من مشروع المسرح البلدي للدار البيضاء، واشتمل مشروع مدينة الجديدة على بناء قاعة للحفلات على مساحة 900 متر مربع تتسع لـ 1500 فرد، ويمكن تحويلها بسهولة إلى مسرح يصل عدد مقاعده إلى 500. وبعد خضوعه لعملية تجديد عام 2012، صار هذا المسرح يحمل اسم “عفيفي”؛ تخليدا لذكرى مديره السابق، بين عامي 1969 و1974، الممثل والمخرج الشهير الراحل ابن مدينة الجديدة محمد سعيد عفيفي.
وكانت مدينة الرباط عام 1962 على موعد مع افتتاح مسرح “محمد الخامس” الذي كان يُستخدم في البداية كقاعة سينمائية، وفي أوائل عام 1964، كلف العاهل المغربي الراحل الحسن الثاني الفنان محمد عزيز السغروشني بإدارة المسرح ليكون شاملا للفنون الاستعراضية برمّتها؛ خاصة وأن هندسة مسرح محمد الخامس لم توجد من أجل الفن المسرحي بالمعنى الكلاسيكي المعروف. فمن المعلوم أن قاعة المسرح تكون ذات هندسة مناسبة لهذا الفن، وشرفاتها تطل المتفرج على الخشبة، ليتاح له الإصغاء الجيد للحوارات وتتبع ملامح الممثلين والممثلات وحركاتهم. والجدير بالذكر أن هذه المؤسسة التي احتضنت على امتداد سنواتها الستين العديد من العروض الفنية والمهرجانات والأحداث الكبرى (كأمسيات الشاعر الفلسطيني محمود درويش) توالى على إدارتها بعد السغروشني كل من المخرج الراحل جمال الدين الدخيسي والممثل عبدو المسناوي والإداري محمد بنحساين.
أما “المسرح الملكي” في مدينة مراكش فيظل مثالا حيا على سوء التدبير الإداري والمالي والتقني، بشهادة الفنانين المسرحيين ومنظمات المجتمع المدني المحلية؛ فمنذ انطلاق الأشغال به عام 1982 وهو يشهد تعثرات حولته إلى خراب ومختبر تجارب، رغم الميزانيات المالية المهمة التي رُصدت له. ويعزو المتتبعون ذلك إلى غياب التخطيط والدراسات الفنية الدقيقة وتخبط مكاتب المجالس البلدية. وقد كشفت عدة تحقيقات صحفية (من بينها ما قامت به القناة التلفزيونية الثانية عام 2021) الاختلالات الموجودة في بناء “المسرح الملكي”، كما أن “الجمعية المغربية لحماية المال العام” طالبت وزارة الداخلية بفتح تحقيق في شأن هذا المسرح الذي أمسى موضوع نكتة لدى أهل مراكش.
ومن بين المسارح المعاصرة في المغرب مسرح “محمد السادس” الذي رأى النور في مدينة وجدة عام 2020، ويشغل مساحة إجمالية قدرها 6500 متر مربع، من بينها 4900 متر مربع مغطاة، وتبلغ طاقته الاستيعابية 1200 مقعد.
وهناك أيضا “المسرح الكبير” في قلب مدينة الدار البيضاء الذي وُقّعت اتفاقية بشأن إنشائه عام 2014، وهو فضاء متعدد الاستعمالات، مخصص لجميع فنون الخشبة: المسرح والرقص والموسيقى والمسرحيات الموسيقية. ويمكن لهذا المركز الثقافي استقبال تظاهرات وعروض ثقافية وفنية من الحجم الدولي على طول السنة، إذ يتوفر على قاعة للعروض الفنية تضم 1800 مقعد، وقاعة للعروض المسرحية بها 600 مقعد، وقاعة للموسيقى الحديثة تتسع لـ 300 شخص، وقاعات صغيرة للتمرين وأخرى للاجتماعات. وأفادت مصادر أنه رغم انتهاء أشغال تجهيزه، ما زال “المسرح الكبير” موصد الأبواب أمام الجمهور، بسبب صراعات سياسية حول الجهة التي ستتولى الإشراف عليه.
بالإضافة إلى هذه المنشآت، تتوفر العديد من المدن المغربية على قاعات مسرحية بالمراكز الثقافية تابعة إما إلى المجالس البلدية أو إلى وزارة الشباب والثقافة والتواصل.
زها حديد: مصممة المسرح الكبير للعاصمة المغربية
ولدت المهندسة المعمارية زها حديد عام 1950 في بغداد، وتلقت دراستها الأولية في أوربا برفقة شقيقيها، ثم التحقت بالجامعة الأمريكية في بيروت حيث درست الرياضيات، وبعدها شدت الرحال إلى لندن للدراسة في كلية الهندسة المعمارية. وعملت في مكتب “متروبوليتان” للهندسة المعمارية في روتردام. وفي عام 1980، افتتحت شركتها المعمارية الخاصة في لندن. وقد اشتهرت بتصاميمها العديدة المبتكرة حول العالم، وحصلت عام 2004 على جوائز كثيرة من بينها جائزة بريتزكر (التي تعتبر جائزة نوبل للعمارة).
من بين أعمالها المبتكرة في الهندسة المعمارية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر:
ـ الملعب الأولمبي الوطني في العاصمة اليابانية طوكيو.
ـ مركز الألعاب المائية لدورة الألعاب الأولمبية الصيفية 2012 في لندن.
ـ مركز حيدر علييف الثقافي في باكو بأذربيجان.
ـ محطة إطفاء الحرم الجامعي فيترا في ألمانيا.
ـ محطة الترام في ستراسبورغ في فرنسا.
ـ محطة ساليرنو البحرية في إيطاليا.
ـ جناح – جسر المعرض الدولي سرقسطة في إسبانيا.
ـ جسر الشيخ زايد في أبو ظبي بالإمارات العربية المتحدة.
ـ أوبرا كانتون في الصين.
ـ محطة سكة حديد نابولي أفراغولا في إيطاليا.
ـ برج الابتكار بجامعة هونغ كونغ للفنون التطبيقية.
ـ تصميم ملعب “الوكرة” لكأس العالم 2022 في قطر.