الطاهر الطويل
استطاعت فرقة “الشعاع” من مدينة تارودانت المغربية أن تحقق إنجازا فنيا جديدا بمسرحيتها “فاتي أريان”، يتمثل في الحصول على جائزتين في “مهرجان الزرقاء للمونودراما” الذي انعقدت دورته الأولى بالمملكة الأردنية الهاشمية خلال الفترة الممتدة من 10 إلى 18 أغسطس 2023. يتعلق الأمر بجائزة الإخراج وجائزة التمثيل (مناصفة).
المسرحية التي ألفها محمد ماشتي وأخرجها مولاي أحمد الإدريسي، تحكي قصة “فاضمة”، شابة قروية تعيش الاختناق في المكان الذي يعتقد الكثيرون أنه الأكثر صفاء ونقاء. تنطلق، تتحرر لتواجه الانكسارات وتكشف وتكتشف الوجه الآخر لمجتمع مغاير عما تعرفه قريتها الصغيرة.”
وفاضمة، مثلما جاء في ملخص العمل، “شخصية مركبة وفريدة. إنها فراشة يسلبها نور التحرر لتتحول لنجمة اسمها فاتي ولقبها أريان، نسبة لشخصية الأسطورة اليونانية التي أرشدت حبيبها بخيط يمكنه من مغادرة المتاهة.”
هذه المونودراما التي تؤديها الممثلة صفية زنزوني، تقوم على الحكي، كمتن متجذر في الوجدان العربي والأمازيغي، وكذا التشخيص بالأقنعة كتقنية تمنح العرض المسرحي إيقاعا متنوعا.
مجلة “المسرح” التقت مخرج العمل الفنان مولاي الحسن الإدريسي الذي تحدث عن مشاركة جمعية “الشعاع” في الدورة الأولى لمهرجان الزرقاء للمونودراما العربية، فقال إنه “جرى اختيار مسرحية “فاتي أريان” من بين 35 عرضا مسرحيا للفرق التي قدّمت طلبات. وكانت مشاركتنا ضمن 11 بلدا عربيا. شاركنا بمسرحية “فاتي أريان”، وفزنا بجائزة التشخيص التي لم تكن خاصة بالتشخيص النسائي، وإنما شملت الذكور والإناث، وفازت بها صفية زنزوني مناصفة مع الممثلة الجزائرية سعاد جناتي التي أدت مسرحية “ميرا”، وفزتُ بجائزة الإخراج، وهكذا يتبين أننا فزنا بجائزتين ضمن الجوائز الخمس للمهرجان.”
وتابع تصريحه قائلا “قبل هذه المشاركة في الأردن، شاركنا من قبل في المهرجان الدولي للمونودراما بقرطاج (تونس) شهر أيار/ مايو، حيث فازت الممثلة صفية زنزوني بجائزة أحسن دور نسائي مناصفة مع الممثلة اللبنانية مروى قرعوني.”
وأضاف “كما سبق لنا أن شاركنا بفيديو المسرحية أيام جائحة كوفيد 19 في مهرجان لبنان المسرحي الدولي لمونودراما المرأة، وفاز العرض بجائزة السينوغرافيا لصفية زنزوني وجائزة النص لمحمد ماشتي وجائزة التشخيص مناصفة مع الممثلة اللبنانية رهف أرمنازي.
وعن رأيه في الفنانة صفية زنزوني، قال المخرج الإدريسي: “إنها هي أصلا سينوغراف مختصة بديكور السينما والمسرح، ومختصة كذلك في صناعة الأقنعة، إذ تعدّ من أهم صانعي الأقنعة في الوطن العربي. لقد اشتغلنا على مسرحية “فاتي أريان” مدة ثلاثة أشهر، بمعدل ثلاث ساعات تقريبًا في اليوم، بشكل متقطع. وعلاوة على التمثيل، عملت صفية أيضا على إنجاز السينوغرافيا والأقنعة، كما ساهمت في الرؤية التشخيصية… وهذه الفنانة حاصلة على ماستر في “الفن والتواصل” من جامعة ابن زهر بأغادير.”
أما بخصوص أسباب توقف الجمعية عن العمل خلال السنوات الماضية، أوضح مولاي الحسن الإدريسي أنه راجع إلى إصابة زوجته بمرض السرطان في 2008، وتوفيت في 2014، وخلال هذه المدة توقف عن العمل المسرحي، مما أثر على نشاط الجمعية.
واستطرد قائلا: لم أعد أقطن في مدينة تارودانت، إذ استقررت في مدينة أغادير بعد حصولي على التقاعد، كما استقر بها معظم أعضاء الجمعية بعد تقاعدهم هم أيضا من التعليم. وفي هذه المدينة، جرى ضخ الجمعية بدماء جديدة، وشرعنا في إنجاز أنشطة، حيث أنجزنا مؤخرا عدة أعمال مسرحية، أحدها يضم 16 ممثلة وممثل شباب من أغادير، كما اشتغلنا على رواية “كونديد” لفولتير، قام بإعدادها محمد ماشتي، وكذا مسرحية “فاتي أريان”، ومسرحية “هكذا تكلمت ميديا” من تأليف إبراهيم الهنائي، التي تشكل محور جولة مسرحية.
وتركت المسرحية أصداء طيبة لدى الجمهور والنقاد والإعلام، حيث كتب الناقد عبد القادر السلك في صحيفة “بيان اليوم” أنه من خلال هذا العمل المونودرامي لفرقة الشعاع، يتبين مدى الجهد الإبداعي في الأداء، وكذا عمق الرؤية الإخراجية التي اشتغلت على الفضاء الفارغ، ولكن بحرص على تأثيثه بـ”جسد” الممثل، وامتلاء حركته وايماءاته. ولقد أضفت سينوغراغية العرض بلاغة بصرية وظيفية بايحاءاتها وايحالاتها المكانية في ذاكرة “الممثلة”. وساعدت على افساح فضاء اللعب الدرامي كله لبلاغة “الجسد” في التعبير وتشخيص الأدوار، عبر استحضار الشخصيات المشاركة بواسطة “الأقنعة”، في لعب هو أقرب إلى “الكوميديا دي لارتي” الإيطالية، مع بعض الفوارق التي اقتضاها بناء العرض المونودرامي وسياق التلقي.
ويرى الناقد والإعلامي الأردني رسمي محاسنة في مقاله بـ”صوت العرب” أن المخرج مولاي الحسن الادريسي حوّل النص الى معادل بصري، بمقترحات موفقة لعناصر العرض المسرحي، فإذا كان أداء صفية زنزوني أداء مثاليا في فهم عميق للشخصية بكل تحولاتها والمؤثرات عليها، وانفعالاتها، وردّات الفعل من أمل وخيبات، بحضور استثنائي وحركة محسوبة، وتقديمها حكايات متداخلة، وكلما انهك هذا الجسد، تقوم من جديد على أمل ان تجد بابا مواربا تستعيد بها ذاتها، فكان هذا الإقناع والتأثير على الجمهور، فإن بقية عناصر العرض كانت موظفة لخدمة فكرة العرض، فالإضاءة كانت تعبر بذكاء عن دواخل الشخصيات، وتتمدد مساحتها على المسرح حسب مقتضى الحالة الشعورية للشخصيات، الى جانب الموسيقى والغناء، حيث تهيء للحدث، أو تعبر عنه، أو تساهم في تفسيره.”
أما الناقد المغربي كريم بلاد فيقول “يكون نجاح العرض المسرحي من قوة النص المسرحي المنطلق منه، وطبعًا دون إقصاء عوامل أخرى متعددة، منها تجربة المخرج، والسينوغرافي والمؤثرات الصوتية وفئوية الجمهور المشاهد. وهذه العناصر اجتمعت في مسرحية “فاتي أريان”، المسرحية التي يصعب الاكتفاء بورقة نقدية لتقريبها من المتلقي، ولتأريخ تأثيرها في المشاهد. فقد نجحت للاعتبارات السابقة، ولكنها نجحت أيضا لأنها مونودراما، قامت الممثلة صفية زنزوني بتشخيص ممتاز لكافة أطوار الحكاية، وتقمصت الشخوص المتعددة على اختلافها باحترافية قل نظيرها، لا يمكن أن نطلق عليها غير الممثلة المسرحية الكبيرة.
المؤلف:
محمد ماشتي، مؤلف مسرحي، مترجم ومدرب في مجال المسرح والتربية. ولد بمراكش سنة 1961.
من مؤلفاته: حفل عشاء (منشورات وليلي – مراكش)، ديونيزوس بالثانوي (منشورات الشراكة الموضوعاتية – الرباط)، فاتي أريان (مؤسسة آفاق للنشر).
ترجم من الفرنسية للعربية: الزوج الأبدي فيودور دوستويفسكي (منشورات المركز الثقافي العربي – الدار البيضاء)، الوحش لأكوتا كريستوف (منشورات المسرح العالمي – الكويت).
مساهمة في الإخراج مع جمعية الرحالة:
مسرحية اللعبة 1981، مسرحية الحصار 1983، مسرحية الدوار 1985، مسرحية القرى 1987، مسرحية الجسد 1989، مسرحية حكاية ماكبيت 1993، مسرحية دامدام 1995.
كتب وأعد لجمعية الشعاع الأعمال التالية: مسرحية الكراسيز 1995، مسرحية الكلادفا 1997، مسرحية تويشيات المهرج 2002، موليير القباني 2004. يقوم حاليا بعرض عملا مونودراميا “يوم من حياة محكوم بالإعدام” لفيكتور هوجو.
المخرج:
مولاي الحسن الإدريسي، ممثل ومخرج في عدة مسرحيات: “ازدم اردم” و”المشكلة” لجمعية شبيبة الحمراء المراكشية، “رحلة محال” مع جمعية الرحالة مراكش، “الدوار” مع جمعية الرحالة مراكش، “شهرزار” مع جمعية الشعاع تارودانت.
أخرج عدة مسرحيات: “رحلة محال” للكاتب المغربي مولاي عبد الحق الصقلي، “اللعبة” للكاتب الليبي عبد الله البصيري، “الحصار” عن رواية “العصافير تبني أعشاشها فوق الجليل”، “الدوار” للكاتب المغربي حمداني شوقي، “القرى” عن “دائرة الطباشير القوقازية” لبيرتولد بريخت.
وأخرج أيضا “ترجيديا السيف الخشبي” لمحمد مسكين، “البحث عن رجل يحمل عينين فقط” للمسكيني الصغير، “شهرزار” عن “حكايات الملوك” لممدوح عدوان.
حاصل على العديد من الجوائز في مهرجانات مسرحية داخل المغرب وخارجه. وأشرف على تداريب فنية، كما شارك في لجان تحكيم.
ــــــــ
مونودراما “فاتي أريان”
تأليف: محمد ماشتي
إخراج: مولاي الحسن الادريسي
مساعد المخرج: عبد الرحمان خالص
تشخيص وسينوغرافيا: صفية زنزوني
موسيقى وغناء: مختار بلخدير / غناء: فاطمة كبية
تصميم الإضاءة: إبراهيم رويبعة
المؤثرات الصوتية: رضا رويبعة
تصميم الملصق: ليلى الوزاني